Monday, October 18, 2004

دعاء الصباح والمساء

اللهم يا من بيده الملكوت واليه المصير.. اسألك بحق من خلقته في ظلمات ثلاث، وكرمته على سائر المخلوقات.. ان تهدي الضالين عن سبيلك، وتنير قلوبهم الى هديك، وتفتح عقولهم لدرك حدود حرامك وحلالك،
فلا يعودوا لسفك الدماء وازهاق الارواح، وحزّ الرؤوس.. واشغلهم عن تفخيخ السيارات، وتسليب العابرين، وتهديد الامنين، واستهداف غير المعتدين.. وان تجمع المؤمنين في كنفك، وليس فقط في عربات الزائرين، اللهم وحد كلمتهم في مقارعة الباطل، وامنحهم شجاعة المحتسبين، كما كان اجدادهم من قبل.. وكما تريد لهم ان يكونوا. واغفر لهم خطاياهم، وسكوتهم عن الحق في غير اوان التقية.. واجعلهم حزبا واحدا في الانتخابات ولا تجعلهم احزابا متناحرة.. اللهم اجلعهم في القائمة التي تفوز، ولاتجعلهم في القوائم الخاسرة، ولمّ شملهم في حكومة ائتلافية تعمل من اجل مصلحة الوطن الجريح.. اللهم امنحهم حب الوطن كما يحبون انفسهم واهليهم.. اللهم ارفع شأن العراق بين الدول فلا يستصغروه، وعلّ مكانة حكومته بين الحكومات فتهاب كما ينبغي لها.. اللهم اخرس القنوات الفضائية المحرضة على الفتنة ورد كيدهم في نحورهم، وامنع عنهم الاعلان، فلا يستطيعون قياما ولا ينظرون.. اللهم ارزقنا شركات اعمار لا تخاف، تصلح بنيتنا الفاسدة منذ عصور، ومؤسسات حكومية لا تتحزب، وتعمل باللامركزية كما نرتجي منها ونأمل، ومجالس محلية ذات سلطان، تعرف صلاحياتها وصلاحيات الوزارات ويُعترف بها، وموظفين تزكم انفوهم الرشوة، ومسؤولين حكوميين يضعون الصالح العام نصب اعينهم، وافتح الابواب امام العاطلين واشباه العاطلين الذين سئموا ضعف حالهم، وان لم ييأسوا من رحمتك.. اللهم سلط علينا من يخافك، واجلعنا من اتباعه المخلصين، برحمتك يا ارحم الراحمين.. آمين

Wednesday, September 22, 2004

متطلبات الانتخابات

منذ سقوط النظام السابق، برزت دعوات كثيرة من اجل اجراء انتخابات تراوحت بين مسؤولي الدوائر الحكومية واعضاء مجالس محلية وصولا الى انتخابات المجلس الوطني المؤقت، دون ان تـُعد اية دراسة علمية، او القيام باي جهد يذكر للتعرف على طبيعة ونتائج الانتخابات لمنصب رسمي، وتأثير ذلك على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
ولا يمكن الاعتراض على ان الانتخابات التي يتمخض عنها تشكيل هيئة تشريعية وسلطة تنفيذية، هي خير وسيلة لتسليم السلطة والحكم باسم الشعب. لكن المشكلة في الخطوات المعقدة لهذه الانتخابات.
فاذا اريد للانتخابات ان تؤدي الغرض المطلوب وجب ان تنفذ بالشكل الصحيح، والا فانها ستصبح بذرة لحرب اهلية حقيقية. ذلك ان الفائزين بالانتخابات سيصرون دوما على شرعية توليهم المناصب، مقابل اصرار معارضيهم، او منافسيهم، على فقدان هذه الشرعية. ويعلم العراقيون ان من بين الاسباب الرئيسة لتردي الوضع الامني هذه الايام انما يعود للطعن بشرعية الدولة القائمة، محليا على الاقل.
قبل فترة وجيزة صرح السيد رئيس الوزراء، الدكتور اياد علاوي، ان الانتخابات ستجرى حتى لو تخلف عنها بعض العراقيون.. واعطى ارقاما ليستدل على ان نسبة المتخلفين قليلة مقارنة بالراغبين في المشاركة. والحقيقة ان اية نسبة من المواطنين تحرم حقها في المشاركة، مهما تكن قليلة، يمكن ان تكون عاملا اساسيا في تقويض العملية برمتها. والمطلعون يعلمون انه غالبا ما تكون نتائج الانتخابات التي تجرى في جو ديمقراطي، متقاربة الى حد يصبح فيه الحسم لاصوات قليلة. من جهة اخرى قد يكون من الصعب اقناع بعض المواطنين بالمشاركة، فهي حق خالص، ولا يجوز الزام أي مواطن على المشاركة. وفي هذه الحالة فان ذلك سيكون خيارا فرديا اتخذه المواطن بمحض ارادته. وهو امر يختلف تماما عن استثناء منطقة معينة او مدينة او محافظة من الدخول في العملية الانتخابية، تحت اية ذريعة.
ولكي نحقق انتخابات تحوز على رضا الشعب عموما، يجب ان يتم الوفاء بالمتطلبات الاساسية، ومن اهمها تبني قانون انتخابي وآلية انتخابية تلائم طبيعة المجتمع العراقي، وتضمن التمثيل السياسي المناسب لكافة شرائحه بشكل عادل. كما ان تقسيم الدوائر الانتخابية قد يكون امرا معضلا، ويغير بشكل حاسم نتيجة هذه الانتخابات. ويجب اعداد كوادر فنية لادارة الانتخابات في المناطق، وتدريبها لتلافي الاخطاء التي قد تكون ذات تأثير مباشر على النتائج. ويجب توفير المراكز الانتخابية وحمايتها. كما يجب منح الوقت الكافي للمرشحين والاحزاب للتعريف ببرامجها والدعاية الانتخابية، وتثقيف مجتمع الناخبين حول مجمل العملية الانتخابية وحثهم على المشاركة، وضمان نزاهة الاقتراع وسريته. والسؤال الان: كم تحقق من هذه المتطلبات خلال فترة اربعة اشهر من عمل الهيئة الانتخابية المستقلة؟ وهل سيتم انجازها خلال الاربعة اشهر القادمة؟ هل يمكن الوصول الى انتخابات عادلة برغم الوضع الحالي؟

Wednesday, September 15, 2004

استمعوا للمواطنين

يتكلم الناس همسا حينا، وبصوت مرتفع احيانا، عن مظاهر للفساد الاداري في مؤسسات الدولة الناشئة.. تلك المظاهر التي اخذت تتفشى بسرعة خيالية محرقة الاخضر واليابس، ومؤدية الى تذمر واسع بين المواطنين الذين أملوا في تغيير حقيقي يستحق التضحيات التي تقدم بشكل يومي.
ان المواطن العادي يجد الحرية، التي نجمت عن اسقاط النظام السابق، وبالا عليه بدل ان تكون مكسبا. فقيادة السيارات في الشوارع اصبحت (حرة) لا يردعها قانون او نظام، واستغلال الارصفة وحتى اجزاء من الشارع من قبل الباعة المتجولين بات حقا مكتسبا لا يجرؤ احد على منعه، وتعالي بعض الموظفين على المراجعين واستعمال الفاظ مهينة بشكل سافر قلما عرض ذلك الموظف الى المحاسبة ناهيك عن العقاب.
واذا كان العذر في ذلك كله ان (التركة الثقيلة) فاننا نتفق على ذلك، غير اننا ننبه ان وقت الاعتذار قد فات.. فليس القاء التبعات هو ما سيحقق للمواطن طموحاته وامانيه في العيش بكرامة وامن وبرفاهية، ولو باقل قدر منها.. اننا نتوقع جيلا جديدا من المسؤولين الذين عليهم قيادة كوادرهم نحو تلبية مطالب الشعب، وهم الذين عليهم ان يجدوا الوسائل الناجعة لاحداث هذا التغيير الضروري.
وفي حين اننا تحت النظام السابق رغم فساده قد سمعنا عن حالات طرد وسجن وعقوبات اخرى بتهمة الفساد الاداري، فاننا في زمن الحرية لم نسمع عن موظف واحد، او مسؤول واحد، قد عنف او انذر نتيجة تصرف غير لائق او تلقيه الرشوة، رغم ادعات كثيرة بهذا الشأن.. فهل ان شكاوى المواطنين المتكررة هي محض افتراء؟ وحتى على هذا الفرض، فهل اعلن عن التحقيق في قضية ما ليعلم المواطنون ان شكاواهم لا تذهب ادراج الرياح؟
انني اذ اشيد بدور الكثير من الموظفين الحكوميين الذين يضحون بارواحهم من اجل سلامة المواطنين، وواولئك الذين يسهرون الليل في مواساة آلآمهم وعلاجها، وغيرهم من يسير على نهج تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.. في الوقت الذي احنى هامتي تحية لهؤلاء، اطالب بالاستماع الى المواطنين والتحقيق في دعاواهم حول تصرفات موظفين اخرين، منعا لخلط الغث بالسمين، وخوفا على الصحيحة (تـَجْربُ).

Wednesday, September 08, 2004

الموت المقدس

عشرون (مجاهدا) يقتحمون مدرسة في احدى الجمهوريات الروسية الصغيرة، ويعلنون جميع من فيها من تلاميذ واولياء امورهم ومدرسيهم رهائن من اجل القضية التي (يجاهدون) من اجلها.. تحرير الشيشان! يا لها من شجاعة، ويا له من جهاد.. لابد ان السلف الصالح سيفخر بما يفعله هؤلاء الثلة التي ضمنت الجنة بـ(استشهادها) من اجل قضيتها.. كيف لا وقد اتوا فعلة لم يفكر فيها حتى اكثر اسلافهم تقوى وثورية.. واثبتوا ان ملتهم تستطيع ان تتجد في الاساليب كما تجدد في الغايات.
نعم، فقبل نحو خمسة عشر عاما كان هذا النفر يجاهدون من اجل اخراج (السوفييت) الملحدين من افغانستان.. وكان هناك تعاطف كبير مع قضيتهم.. فقد ارتكبت السلطات المحتلة جرائم شتى ضد المعارضين للحكم الافغاني العميل لهم انذاك. ولم يتورع هؤلاء المجاهدون عن استلام المعونات من الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها الاطلسيين، الذين كانوا يقدمونها كجزء من ضرورات الحرب الباردة مع (الاتحاد السوفيتي).
وسقطت الشيوعية، وسنحت للمجاهدين اخيرا فرصة اقامة دولتهم الايمانية، ولم يمانع العالم، طالما كان ذلك خيارا داخليا، ليس له تأثير على بقاع اخرى في المعمورة. وسرعان ما تبين العالم انه كان واهما.. فمن الهجوم على المصالح الامريكية، الى هدم الرموز الثقافية، الى احتضان منظمة القاعدة التي اعلنت نفسها، وبشكل منفرد، المدافع عن الاسلام، والناشر لراية التوحيد.. كل ذلك جلب الاحتلال مرة اخرى الى ارض افغانستان المبتلاة، ودكت الصواريخ والطائرات والمدافع والدبابات مدن وقرى هذا البلد تحت نظر وسمع العالم الذي وقف حائرا بين الرغبة في مساعدة الشعب المظلوم، والخوف من تنامي قوة المتشددين الذين اتخذوه مأوى لهم.
واليوم، يعود المجاهدون الى عدوهم السابق.. ليس السوفييت بل الروس، غير آبهين بالتغيير الجوهري الذي حصل بزوال الاتحاد السوفييتي، والتحول الى الديمقراطية، بل ان الاسوأ من ذلك انهم يحاولون الاستفادة من هذه الديمقراطية.. وللمقارنة فان ستالين رحّل جميع الذكور البالغين الشيشانيين الى سيبريا حين لاحت لهم بوادر ثورة، ناهيك عمن اعتقل واعدم. اما اليوم فتجري انتخابات لاختيار رئيس للشيشان من ابنائها، وتقول الاحصاءات الرسمية ان نسبة تقارب الـ80% قد شارك فيها، فما الداعي للـ(جهاد) والقيام باعمال (ارهابية) حسب تعبير السواد الاعظم من البشر؟ لا اجد مبررا غير ان هناك نفرا من الناس عزموا على الموت بطريقة يكون فيها تقديس ومهابة، حتى وان لم يجدوا نصيرا.. فانا لله وانا اليه راجعون.

Wednesday, August 25, 2004

القدرة والعجز

هناك خطآن قد يقع في احدهما من يسعى لتحليل السياسة الخارجية الامريكية. الاول افتراض ان اصحاب القرار في الولايات المتحدة يرسمون مسيرة الاحداث بشكل متقن ويحسبون لكل شيء حسابه، وبالتالي فان كل ما يحصل فهو مخطط له مسبقا، او ما اصطلح عليه بـ(نظرية المؤامرة). والخطأ الاخر، ان سياسيي الولايات المتحدة يفتقرون الى الخطة ويتصرفون رهن اللحظة، بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية وسطحيتهم في التعامل مع الاحداث، وانهم انما تحركهم الدوافع الانتخابية لا اكثر.
لكن هؤلاء القادة وغيرهم من اصحاب القرار ليسوا الا بشر، ولا يستطيعون انجاز ما يفوق قدرة البشر الاخرين. من ذلك ما يتردد احيانا ان الولايات المتحدة قد خططت مسبقا لاستدراج (الارهابيين) الى العراق، ومحاولة القضاء عليهم في هذا البلد. فان كان القادة الامريكان يريدون نصب فخ للارهابيين في العراق، وان ذلك هو السبب الحقيقي في غزو العراق واسقاط نظامه، فقد كان الارهابيون تحت بصرهم وسمعهم في افغانستان التي غزوها قبل ذلك، فما الذي تغير؟ وهل تمكنوا من الحصول على انتصار حقيقي عليهم هناك؟
ان استذكار وقائع الحرب في العراق تؤكد ان قرار الحرب كان معدا قبل فترة طويلة، حتى قبل سقوط الابراج في نيويورك، وقبل ذيوع صيت ابن لادن.. قرار الحرب كان رؤية استراتيجية في السياسة الامريكية. واقامة الديمقراطية في العراق، وليس اقتناص الارهابيين، هي الثمرة التي كان من المفترض ان يقدمها الرئيس الامريكي لشعبه وفقا لهذه الرؤية. ان المأزق الامريكي في العراق قد تعدى الحسابات التي اعدت قبل الحرب. وهذا يؤكد ما توصل اليه ابن لادن من قبل: ان الولايات المتحدة قادرة على فعل اشياء مذهلة، غير انها قد تكون عاجزة احيانا. ولسوء الحظ فان هذا العجز قد يكلف سقوط ضحايا ابرياء، كما هو الحال اليوم في العراق.

Wednesday, August 11, 2004

افتحوا الطرقات

في نهاية الاسبوع الماضي، حدث اعتداء آثم على مركز شرطة في مدينة المحاويل راح ضحيته العديد من الشهداء والجرحى. ومع استحضار ذكرى الاعتداء الذي سبقه في شارع الفـداء قبل ستة اسابيع، فان الكثير من الاجراءات الامنية يتم اتخاذها هذه الايام للحيلولة دون تكرار مثل هذه الاعمال الاجرامية.
غير ان التدابير الامنية يجب ان يراعى فيها مصلحة المواطنين في شؤون اخرى، مثل عدم التضييق عليهم بدرجة كبيرة، فهم غير مسؤولين عن الهجمات، ولايجب ان يدفعوا ثمنها. ومن هذه الاجراءات غلق الطرقات بشكل يؤدي الى اختناقات مرورية لا تطاق، وفي بعض الاحيان تحصل كوارث نتيجة تأخر سيارات الاسعاف والاطفاء وما سواها من الوصول الى المناطق المطلوبة في الوقت المناسب بسبب الزحام الهائل، خصوصا في اوقات الذروة. ومن الملاحظ ان معظم المنافذ المؤدية الى مراكز الشرطة في مدينة الحلة قد تم غلقها، بشكل كامل او على فترات. وهذا الامر يحمل على التساؤل فيما اذا كان اهتمام رجال الامن ينصب على أمنهم الذاتي اكثر من حرصهم على أمن المواطنين؟
ولاشك عندي في الاجابة، حيث ان شرطتنا الوطنية التي قدمت الشهداء على مسيرة الحرية والبناء الديمقراطي، لن تضع ابدا مصلحة ذاتية فوق مصلحة المجموع. ولكن وددت الاشارة الى ان قطع الطرقات يؤدي الى تقليل فاعلية الشرطة لصعوبة وصول المواطن الى مراكزها، ويقيم حاجزا نفسيا بين المواطن ورجل الشرطة، ويسجل انتصارا لمنفذي الهجمات الارهابية في جعل حياة المواطن العراقي اصعب واكثر تعقيدا.
ان حقيقة زوال الاحتلال بشكله الرسمي، يلقي علينا جميعا مسؤولية مشتركة في ازالته بشكل نهائي.. وهو ما لم يتحقق الا بشرطة وجيش وطنيين، يمثلان عيونا ساهرة على امن واستقرار البلاد.. وفي الطرف الاخر تقع مسؤولية المواطن. لذلك ينبغي اقامة الجسور بين رجال الامن والمواطنين وليس باقامة الحواجز التي، مع مرور الزمن، تجعل من مراكز الشرطة حصونا مهيبة.

Wednesday, July 28, 2004

سلطة وسيادة

كشفت الاحداث الفلسطينية الاخيرة عن تداعيات خطيرة لغياب السلطة او بالاصح تغيبها عن ساحة الفعل والتأثير. فبعد سلسلة الاعدامات في الميادين العامة بتهمة التعاون مع (اسرائيل)، وبعد سلسلة الاختطاقات في غزة التي طالت اعلى المسؤولين في الدولة، قامت احداث شغب ومصادمات بين قوات الامن ومسلحين فلسطينيين.
واذا كان يحلو لبعضهم مقارنة الوضع في العراق بالوضع في فلسطين على اساس وجود قوى الاحتلال والمقاومة في كليهما.. فالمقارنة يجب ان تعقد على اسس اخرى ايضا، منها تنامي وجود المسلحين غير النظاميين، او المليشيات، ومنها سطوة احزاب بعينها مدعومة من الخارج، ومنها الصراع على السلطة والتكالب عليها، واوجه مقارنة عديدة اخرى.
غير ان عمر الاحتلال في فلسطين يبلغ عقود من الزمن، بينما لم يتجاوز عمره في العراق الخمسة عشر شهرا.. واذا كان لنا ان نعقد المقارنة على هذا الاساس فيجب الاقرار ان العراقيون بزوا في بعض الاحيان اخوانهم الفلسطينيين في اختلاق الازمات والرغبة في السيطرة على الشارع، عسكريا ان لم يكن سياسيا، وتجاوزا كل امم العالم في تخريب منشآتهم وبنيتهم التحتية تحت ذريعة المقاومة، وهي اشياء تندر على القياس.
وهكذا، فان كان الفلسطينيون يخطفون مسؤولي الدولة لـ(فسادهم) فان العراقيون يقتلونهم فورا، حتى بدون ذكر السبب. واذا كانت الدولة الفلسطينية قد ارتضت وجود عناصر مسلحة خارج سيطرة الدولة، لاتاحة الفرصة لهم لمقاومة الاحتلال، فان العناصر المسلحة في العراق قد فرضت على الدولة من قبل الاحتلال ذاته.. الاحتلال الذي سرح الجيش والشرطة وعمل على بنائهما من جديد، ولكن ليس الى القدر المطلوب، وذلك لتجنب ان يطلب منه ذات يوم الرحيل. فمالقارنة اذاً بين البلدين تحمل الكثير من المتناقضات التي يصعب فهمها، ولاشك ان هناك اوجه شبه يجب الانتباه اليها. واهمها ان يتاح للسلطة ان تمارس دورها في حل الازمات وتدارك الملمات كما ينبغي لسلطة ذات سيادة.

Wednesday, July 14, 2004

المال والرجال

يعرف الجميع ان مصادر القوة لاي مجتمع انما تكمن في توافر الموارد المادية والطاقات البشرية، او بتعبير اوضح المال والرجال.. وان الحكومة اذا ارادت ان تكون فعالة فعليها ان تعمل على ايجادهما ورعايتهما وتوفير الفرص لاستخدامهما بالشكل الامثل.
وخلال خمسة عشر شهرا من الاحتلال، ورغم توافر الموارد للعراق سواء على صعيد الثروة الوطنية او من مساعدات الدول المانحة ومنها نفس الدول المحتلة، ورغم توفر الطاقات البشرية الهائلة التي ربما تبز معظم الدول المجاورة في حجمها وتأثيرها.. خلال هذه الفترة الطويلة لم يلمس العراقيون تطورا ملحوظا لا في بنيته التحتية ولا الفوقية.. ولاتجد مشروعا واحدا يفخر به من قام به، ولاتجد تطورا خدميا واحدا يمكن ان ينسب الى هذه الفترة التي تضاف الى قائمة الفترات المظلمة في تاريخنا الحديث وغير الحديث.
والغريب ان هناك من يتساءل في الكونغرس الامريكي عن اسباب الاخفاق في انفاق المنحة الامريكية البالغة 18 مليار دولار.. حيث ان ما تم انفاقه حسب هذا المصدر لم يتعد 3,7 مليار دولار فقط! واعتقد ان هذا المبلغ انفق على التحوطات الامنية وتدريب الشرطة وتجهيز الجيش و..الخ، لاننا لم نلمس اي مشروع حيوي واحدا مهما كانت كلفته قليلة قد انجز لحد الان في عموم العراق، باستثناء بعض اعمال التأهيل في المرافق الخدمية دون تطويرها بشكل جدي.. وان كلفة بعض هذه الاعمال قد تكون اضعاف كلفتها الحقيقية وبمواصفات قد لا تتجاوز مرتبة غير الجيدة، ان لم تكن سيئة.
واليوم وقد تسلمنا من جديد سيادتنا على اموالنا ورجالنا يحدونا الامل الى عدم تسجيل وقت ضائع اخر في فترة مظلمة اخرى تحت اية حجة. علينا المبادرة فورا الى توجيه الرجال والنساء الطامحين الى خدمة وطنهم نحو مشاريع كبرى تمسح عن وجوه العراقيين غبار عقود من التخلف وتعمل على الحاقهم في ركب الامم المتقدمة كما يليق بهم. علينا ان لا نركن فقط الى محاربة الارهاب، ونوجه كل مقدراتنا نحوه.. فهذا بالضبط ما يريده الارهابيون، من تعطيل لمسيرة التحرر وتقييد لحركة الاعمار وتحييد للطاقات البشرية الكبرى في العراق.

Sunday, July 04, 2004

شارع المارقين

اغلق بوابة الزمن وسجل في ذاكرة التاريخ انتصارا اخر للموت العابث.. ابحث في بقايا الحطام عن حلم غاب عن المولد.. سجل صفحات حمراء اخرى تشع بلهب الحقد الدامي.. العنف والكراهية.. اقرأ الحقيقة التي زورها المؤرخون في مقبرة جماعية، مرة في الحفر، وتارة على الارصفة. ايتها الاجساد الملتهبة تجري بحثا عن بقعة ماء.. ابتها الاطراف الموزعة بين الاشجار وسقوف المنازل.. وعلى الارض الرؤوس. يا زمن العودة الى قانون القوة المجردة، سجل انتصارا اخر للبربرية على حضارة التسامح، واستمع صاغرا الى فلسفة البقاء للاقوى.. واطع سادة النظام، العارفين باثمان الانفس. ايها القهر المختبيء خلف المنبر، الداعي بين جمهور الغافلين الى موت المخالفين، المعارضين، الابقين، الكافرين، الشياطين. ادعو بالحكمة التي جعلتك اميرا، الى قتل المارقين غير الابهين.. اقتلوا كل عدو للدين، ولو كانوا نصف اهل الارض اجمعين، فنحن من اختارته السماء، ونحن من وهبنا حكمة الاولين والاخرين، وما سوانا الا قردة خاسئين.. ايتها العباءة المحتضنة لجسد هزيل، تستر القليل، وتفضح الكثير.. في حفرة بلا شاهد سوى ذكريات اب ذهب بصره، هل كانت الا نزوة؟ وهل ستكون الا زفرة؟ يا كل عذابات الدنيا في حفلة شواء الادميين.. ايتها الانفس اللاهثة تبحث عن يوم آمن، يوم ساكن، ولو سكون المقابر.. حذار من شارع المارقين.. حذار من فضول المتطفلين، حذار من غمضة عين، ومن لفتة رأس.. حذار من التجمع لاكثر من اثنين، فقانون الطواريء اتم عامه الاربعين. والويل لمن تسول له نفسه قراءة دستور الخطايا والتوراة والانجيل.. احفر في ساحة الدار حفرة اخرى وادفن، مرة اخرى، كتب الضلالة واتبع سبيل السلف الصالحين.. لن تكون عبدا الا لمن يملك مفتاح عقلك.. لن تكون خادما الا لرب ارضي رغما عن الاصحاح والمساند.. انا احي واميت.. انا اميت.. انا اميت.. اه يا زمن السحت والديناميت، وبقايا الفجرة.

Wednesday, June 23, 2004

علم السعودية

في فترة لم تتعد الشهر، عانت السعودية من ستة هجمات ارهابية ضد الاجانب الغربيين العاملين في قطاعات الصناعة السعودية، مسببة اضرارا هائلة بالاقتصاد السعودي وشعورا بالمرارة لدى عامة الناس.
لقد كانت السعودية في قترة ما مهدا، وارضا خصبة، وملاذا امنا لاخطر حركات التكفير التي تحولت الى منظمة ارهابية، عرفت باسم القاعدة، تنشر رعبها وتبشيرها الاسود باسم الاسلام في كافة بقاع المعمورة. وكانت السعودية ايضا المصدر الرئيس لتمويل هذه المنظمة الخارجة عن القانون، بل الخارجة عن الاسلام.
نعم.. لقد دفع الشعب السعودي اليوم ثمن دعمه في الماضي لتلك الحركة متصورا انها حركة اصولية تهدف الى نشر الفكر المتشدد الذي تؤمن به جمهرة السعوديين، والذي يميز اتباعه ويرفض التسامح ويدعو الى تكفير كل مخالف له. ولازال الكثير من السعوديين، رغم ظهور حقيقة القاعدة على الملأ، لازالوا يدعمون تلك الفكرة ويدافعون عنها، وخير مثال على ذلك ما يدور من جدل في المنتديات الاسلامية على الانترنت.
ان فكرة الجهاد تعتبر من اصول الدين لدى كافة المسلمين، وليست مقتصرة على الحركة الوهابية او الحركات المتطرفة الاخرى. ولكن التراث الاسلامي خلال القرون استطاع ان يوفر تعريفا محددا للجهاد وحصره في اجماع الامة وافتاء الفقهاء ووجود الخطر الداهم من اعداء الدين المتربصين له، ولم يكن ابدا فكرة فردية او لجماعات معزولة تدعي الوصاية على امة الاسلام. ولعل هذه الفكرة -الجهاد- هي المقصودة بوضع رسم السيف تحت كلمة التوحيد في العلم السعودي.
ان حكومة السعودية التي باتت تدرك وتعاني من الخطر الجسيم الناجم عن دعم الحركات المتطرفة التي تدعو الى اسقاط الاخر وتكفيره، تلك الحكومة التي بدأت تضع عينها على مخابيء هذه الجماعات ومصادر تمويلها، مطالبة اليوم باعادة النظر ايضا في توجهاتها الايديولوجية، ومنها تبني الجهاد سياسة رسمية كما يعبر عن ذلك عَلمها. وحين تقرر السعودية محو السيف من العلم، تكون القاعدة قد هزمت.

Sunday, June 13, 2004

القاعدة والاستثناء

خلال العقود الثلاثة الماضية كانت هناك حالات كثيرة سادت فيها استثناءات عن القواعد التي ربما كانت تسنها الدولة او كانت قانونا راسخا او حتى اعرافا اجتماعية جرت العادة على التمسك بها. ولم يعدم المستثني حجة من عصيان او حرب او حصار او حتى (محاربة الامبريالية).
واليوم بعد اكثر من عام على تحرر العراق من قبضة النظام السابق الحديدية نجد ان هذه الاستثناءات قد اصبحت قواعد في مجالات كثيرة ليس اقلها المطالبة بتمييز ذوي شهداء الانتفاضة عن باقي المواطنين، ولا اكثرها استثناءات لجنة اجتثاث البعث، باستخدام ذرائع لا تختلف في جوهرها عن تلك التي كان يستخدمها النظام المباد.
فحجة ان الحاجة الامنية تقتضي تصرفا معينا تستخدم بمناسبة وبدون مناسبة لتبرير الافعال التي تعد شائنة اكثر من مثيلاتها في ظل حكم صدام، تلك التي جعلت طائفة من الناس يعتقدون ان لا تغيير يحدث الا لما هو اسوأ.
وخير مثال على ذلك احاطة معظم الدوائر المهمة ومراكز الشرطة بالمتاريس والحواجز الكونكريتية والاسلاك الشائكة وقطع الطرق المحيطة بها دون الالتفات الى ما يسببه ذلك من زحام شديد ومعاناة للمواطنين الذين عليهم دائما ان يدفعوا ثمن الاستثناء، وهم على يقين انه سيصبح قاعدة بـ(التعود).
نعم.. هناك تهديدات امنية خطيرة، ولكن اخذ المواقع الدفاعية ليس ردا كافيا.. كما ان من الممكن ان يصار الى فتح طرق جديدة تعويضا عن تلك التي قطعت (للضرورة الامنية).. وجعل المتاريس اذا لم يكن منها بد بالحد الذي يسمح بمرور السيارات ولو الضرورية منها على الاقل كسيارات الاسعاف.. حيث ان تنقل هذه السيارات اصبح عسيرا جدا وربما قضي المريض في الطريق الى المستشفى.
ان الوضع الامني غير المستقر يجب ان ينظر اليه كاستثناء، ويجب ان تراجع التحضيرات لمواجهته دوريا بحيث يدرك الجميع، مسؤولين ومواطنين، ان هذه الاجراءات سوف توقف حال زوال التهديد.. هذا هو الوضع في الدول المتحضرة التي نروم ان يكون العراق احدها.

Wednesday, June 02, 2004

افضل الخاطبين

ليس هناك من حديث اكثر شيوعا هذه الايام من موضوع تشكيل الحكومة الانتقالية المقبلة، والتي من المتوقع ان تضطلع بمهام الحكم لفترة ستة او سبعة اشهر. ففي حين يصرح الجميع تقريبا برفض (المحاصصة) اي ان تكون هناك حصة لكل طائفة او عرق في تشكيلة الحكومة، يرى الكثيرون ضرورة تولي (شيعي) رئاسة الجمهورية باعتبار ان (الشعية) يشكلون الاغلبية في العراق.
واذا كان لمراكز ومناصب الدولة العليا ان نوزع بموجب الطوائف، فقد نصل الى نظام اشبه بالنظام اللبناني الذي يعتبر اساسا للحرب الاهلية التي استمرت سنوات طويلة.
كما ان غبن حق بعض الطوائف ومنعها من تولي المناصب العليا في الدولة تحت اي ذريعة قد ينجم عنه نتائج سيئة من الشعور بالعزلة وتعزيز الروح الانفصالية لدى تلك الطائفة، وهو الامر الذي كان سمة النظام البائد.
لذلك علينا قبل ان نسأل عن طائفة او قومية المسؤول الفلاني ان نتحرى عن وطنيته ونزاهته واخلاصه وكفائته (او ـها في كل تلك الصفات). ولنعتبر ان المنصب فتاة شابة تنتظر الخاطبين، فاذا توفر لها الشخص المناسب كما هو متعارف، فعليها ووليها قبول المتقدم، لا الانتظار لحين الحصول على خاطب افضل. وعلى هذا المثال لدينا ميزة.. فبينما تكون خطبة الفتيات مقررة لمصيرها غالبا، يكون شغل المناصب الحكومية في النظام الديمقراطي لفترة محدودة، وبالتالي اذا لم يكن شاغل المنصب كفوءا له فسيتم استبداله بمن هو افضل.. كما هناك آليات كثيرة تضمن عدم انفراد كبار المسؤولين بالقرار، وتحول دون تمسكه بالمنصب الى ما لانهاية.
وهكذا فليكن مثلا رئيس الدولة كرديا وقائد الجيش سنيا وان لم يكونا من الاغلبية الشيعية.. اذا كان لهما من المواصفات ما يؤهلهما لذلك وكان النظام متينا بما يكفي.. وغدا ستقول صناديق الاقتراع كلمتها.

Wednesday, May 26, 2004

أه يا عقيل

رحل عقيل..
رحل شهيدا..
شهيد الكلمة الحرة الشريفة، شهيد الرأي النزيه المخلص، شهيد الامل نحو الحرية، شهيد الحرب ضد الفساد والتسلط.. رحل شهيدا كما رحل من قبل ابوه على يد الطغاة.
رحل وهو يحمل في عقله النير الاف الخطط من اجل الوطن الآمن الحر، وفي قلبه الاف الامنيات من اجل المستقبل الرغيد لابناء شعبه المثقلين بالجراح..
رحل عقيل الجنابي..
اغتالته ايادٍ اثيمة يئست من رحمة الله، وظنت انها بمنأى عن العقاب، وان الدم الذي انفجر من رأسه المبارك، ان هو الا ماء.. فكم كانوا واهمين.. فهل نسي الناس شهداءهم؟ وهل قدر للفوضى ان تبقى الى الابد؟ غدا يعلم المجرمون.
رحل عقيل، كما رحل الاف الشهداء، في مسيرة هذا الشعب، ليعلم العالم اجمع ان الحرية لم تأت الينا، بل ان علينا ان نأخذها اخذا، فالمجرمون يغتالون الفكر لانه من سيقتلعهم اخيرا، ولن يستطيع اي جبار ان يسكت الفكر الحر، وسيكمل المسيرة حتما من انعم الله عليه بالايمان واوتي الحكمة..
لقد كان الشعب مضطهدا عقودا من الزمن.. ولن يرضى ابدا بعد الان بالضيم، لن يكون عبدا للطاغوت، واسيرا لنزوات المنحرفين.. ولكن هل هذه مجرد اوهام؟
نعم، انها اوهام، طالما كان من يرى لا يشهد، ومن يقضي لا يحكم، ومن يحرس لا يحمي.. وطالما كان بين اناسنا من يقول (ليس عليّ شيء).. (ابعد عن الشر و...) فهل كان سيقول ذلك لو انهالت عليه ضربة الساطور؟ وهل ابتعد الناس يوما عن الشر فأمنوه؟
ان الشر اذا حلّ بقوم فانه باق فيهم، يفت عضدهم ويستميلهم اليه (ان النفس لامارة بالسوء) فان لم يكن فيهم (الا مارحم ربي) فما عليهم الا ان يتبعوه يلتقطهم الوحد تلو الاخر.. ويرسلهم الى نهايتهم الحزينة، التي فرّوا منها اولا.
آه يا عقيل.. هل كنت الا نسمة من عبير الحرية، في جو قائض مغبر؟ هل كنت الا عبرة في صدور المظلومين، وحسرة في اعين المحرومين؟ هل كنت الا شمعة اخرى في المسيرة الدامية، التي قدر لها ان تسير عبر صحراء قاحلة في ليل دامس؟
أه يا عقيل..

Wednesday, May 19, 2004

الخيار الوحيد

من المعروف ان الديمقراطية تكون هشة في مرحلة البناء، وتزداد صلابة مع ترسيخ مبادئها. ولذلك يحتاج بناؤها إلى الكثير من التأني في العمل، ويستغرق زمنا ليس بالقصير لإرساء مفاهيم جديدة وتغيير مفاهيم أخرى.. وطيلة هذه المدة لن يكون للديمقراطية ثمار قريبة، بل على العكس ربما حملت عملية البناء معها الكثير من السلبيات التي تؤدي الى الشك في فائدة التطبيق، وما إذا كانت تستحق فعلا العناء.
لاشك ان العراقيين عانوا طوال عقود من الزمن من أهوال حكم تسلطي فردي يصنع القرار فيه خلف أبواب مغلقة وينأى صانعوه عن المسائلة. والأنكى من ذلك ان معظم هذه القرارات أصبحت تصدر عن (القائد الضرورة) شخصيا، بعد ان تلاشت المعارضة له على كافة المستويات.. وبالتالي أصبحت شطحات فكره (الملهم) نبؤات واجبة التطبيق وعلى الجميع ان يصفق لها مهما كانت النتائج المحتملة وبيلة.. حتى أن بعضها أدى إلى تقويض نفس نظامه نفسه.
نعم.. ان الديمقراطية هي البديل عن الوضع المأساوي الذي آل اليه شعب ودولة العراق بسبب الحكم الفردي. أن طريق تطبيق الديمقراطية كمفاهيم عليا سيكون شاقا باعتبار اننا نبدأ من الصفر (او ربما تحته) ولكننا لا نملك خيار آخر. فحتى محاولة اقتباس مفاهيم مثل مفهوم حقوق الإنسان دون أخرى مثل مفهوم الحرية الفردية، سيؤدي في النهاية الى إلغاء دور المُقتبس. وفي الدول التي تخضع لنظم حكم فردية تحاول تطبيق بعض المفاهيم بدعوى الإصلاح، إنما يكون ذلك تحت رقابة مشددة للتأكد من أن أية مساحة إضافية للحرية قد يكتسبها الشعب يجب ان لا تؤدي إلى تهديد نظام الحكم القائم. ولن تتردد قيادات هذه الدول في إيقاف أي إصلاح سيؤدي إلى مسائلة القيادة العليا، أو هز صروح السلطة وتعريضها للخطر.

Wednesday, May 12, 2004

الارهاب والعقاب الالهي

يتحدث بعض المثقفين عن (الارهاب) كـ(عقيدة اصولية)، وبالتالي يحاولون ايجاد الاسباب والدوافع التي تبرر الافعال المندرجة تحت تعريفه، وان كان التعريف ذاته محل اختلاف شديد. وليس بخاف ان بعض العقائد الاصولية، التي تحث على (الشهادة) في سبيل الله قد تعتبر دافعا قويا للتضحية بالنفس مقابل الفوز بالنعمة الالهية.
غير ان الارهاب اذا قصد به الاتيان بافعال ذات طبيعة تدميرية واسعة (او محدودة ولكن مستنكرة) باستخدام وسائل غير سليمة، بغض النظر عن الدوافع، فمن الواضح ان ذلك ليس له علاقة بالعقيدة.. بل على العكس يدل على ان الارهاب ليس عقيدة بالمرة، انما هو سلوك فردي، او لجماعات محدودة، ولا يعبر مطلقا عن توجه عقائدي او اصولي.
ان محاولة لاستقراء الجماعات التي توصف بالارهابية في وقتنا الحاضر تنم عن تجمعات صغيرة ومشتتة ومنعزلة في اغلب الاحيان، وان كان لها تأثير كبير بسبب قدرتها على الهجوم في وقت وزمان غير محددين.. وهذه التجمعات لا يمكن ان تعبر عن اية عقيدة او فكر يمكن ان يستخدم ايديولوجيا في اضفاء الشرعية على الارهاب.
ولاريب ان هناك تعاطفا شعبيا مع قضايا المظلومين، ينتج عنه رد فعل جماعي اولي غير متعاطف تجاه المصائب التي تصيب الظالمين.. وهو الامر الذي قد يصور على انه تسويغ لافتعال مصائب تردع الظالمين عن ظلمهم. ولكن الحقيقة عكس ذلك. فالتعاطف الذي يجنية ضحايا الارهاب اخر الامر ينسي القضايا التي يدعو اليها المظلومون، ويحول الانظار عنهم. ان العقاب الالهي عقيدة لاخلاف عليها في كل الاديان، ولكن هناك خط فاصل واضح.. لا يمكن لاحد ان يدعي انه سيف الله المصلت على رؤوس العباد بدعوى انهم ظالمون، ومن كان فعل ذلك في سالف الزمن، ذكره التاريخ كدجال لعين.

Wednesday, April 28, 2004

ميزان متأرجح

ان مقابلة بسيطة بين الحوادث التاريخية وما يجري اليوم تثبت ان الرغبة في فرض الرأي على الاخرين، والحسد، والخوف من ضياع الهوية، هي دوافع ذات ارضية واسعة، يمكن -اذا توفرت لها فرصة الظهور والتمكن- ان تنتج فئة تأتمر بامر قائد يعد رمزا لنضالها وعنوانا لرغبتها في تغيير المنهج المستهدف الى منهج متشدد لا يؤمن الا بحقائق قليلة ولا يلزم نفسه الا بالقليل من القواعد التي تعارف عليها الاخرون.
لا يمكن الاستنتاج بصورة مباشرة ان عدم التوصل الى علاج ناجع لمرض الايدز لحد الان هو سبب لتفجير عمارات سكنية في روسيا، ولا يدعي احد ذلك. ان متطرفا ما يستطيع ان يثبت ان ابتعاد بني البشر عن القيم السماوية ادى الى شيوع امراض فتاكة تهدد الجنس البشري، ولكنه لن يدعو الى افنائهم باستخدام اسلحة فتاكة.
من جهة اخرى، فان قادة المجموعات التي توصف بالارهابية كثيرا ما يعبرون عن غطرسة الحضارة الغربية، وعن ظلمها للشعوب الاكثر فقرا، ولذلك ابتليت بكوارث شتى منها الاوبئة التي لا يمكن علاجها.
وهكذا فان المتطرفين والارهابيين قد يلتقون عند نقطة، ولكن ليس بالضرورة ان تكون افكارهم متطابقة في غيرها. غير ان هذا الالتقاء قد يستثمر لايجاد تعاطف واسع مع القضايا التي تدعو اليها المجموعات (الارهابية)، مستغلة التعاطف الفطري مع القضايا التي يدعو اليها (المتطرفون).
ان التطرف لا يؤدي الى الارهاب.. لكنه يمهد ارضية لقيامه. واذا كان لنا ان نضع ميزانا، فان ميزان التطرف يميل نحو الخير بشكل متمهل، بينما يميل ميزان الارهاب نحو الشر بشكل حاد. والحقيقة التي يعيها البشر عموما، ان الموازين يمكن ان تتأرجح بحيث تجعل الامور ضبابية، وذلك يجعل الحكم عليها امرا بالغ الصعوبة احيانا.

Thursday, April 22, 2004

ماذا بعد عام

عام مضى منذ ان تحرر العراق من نظام صدام. عام من الانتظار والاحلام والامال.. فهل كان الامر يستأهل؟ هل تحسن الواقع، او تحقق ولو جزء من الامل؟ ربما كانت الاجابة غير سارة، ولكن هل ان الاسئلة منصفة؟
نعرف ان المانيا واليابان احتاجتا الى عدة سنوات لكي تحصل على الحرية والديمقراطية، ومن ثم الرفاهية. كما ان كلا منهما عانتا من فترات فوضى وانعدام الامن لمدة غير قصيرة، وقد تكونان انموذجا لما يحصل في العراق اليوم. وعلى ذلك فان الصبر هو المطلوب لكي يتحقق في العراق -الى حد ما- ما تحقق في هذين البلدين الذين ابتليا بالدكتاتورية ردحا من الزمان.
لقد انجزت بعض الامور الهامة خلال العام المنصرم.. ولكن ما كان يمكن ان يتحقق قد يكون اضعاف ذلك. فما الذي يمنع اي مشاريع كبرى للاعمار؟ وهل يجب ان تقوم بذلك الشركات الاجنبية حصرا؟ اما كان يمكن ان تمنح التخصيصات للدوائر الحكومية لتحسين الخدمات الاساسية على الاقل؟
ومن ناحية اخرى، كيف يمكن ان تقام المشاريع مع وضع امني متردِ؟ وكيف تمنح التخصيصات وكثير من دوائر الدولة تعاني الترهل والكسل والفساد الاداري؟ الم تصرف ملايين الدولارات على مشاريع لم يحصل معظمها على رضا الناس اما بسبب سوء التنفيذ، او للمبالغة بالتكاليف، او لعدم الجدوى اصلا؟ ثم ان الكثير من الدوائر اخفقت في صرف تخصيصاتها بسبب طغيان النظام المركزي، على ما يبدو.
لقد انقضى عام، وقراءة الواقع تدل على الحاجة الى عام اخر -على الاقل- قبل ان نقطف ثمار الحرية. عام من العمل الجاد والسعي الحثيث، ابتداء من (استلام السلطة) وليس انتهاء بـ(الانتخابات الدستورية).. عام او يزيد قد يكون اشد من سابقه.. ولكن لا عودة. يجب المسير حتى النهاية، او البقاء في الفوضى، لاسمح الله.

Saturday, April 17, 2004

تسليم السلطة

يتساءل البعض عن تمكن العراقيين من تسلم السلطة في الموعد المحدد اواخر حزيران القادم، خصوصا بعد الاحداث الاخيرة التي افرزت نقاط ضعف كبيرة لدى جهاز الشرطة، وامكانية ظهور قوى جديدة على الساحة في اي وقت، ووجود مليشيات غير حكومية تمتلك اسلحة واعتدة ليست بالقليلة. فهل ان العراقيون مؤهلون لاستلام زمام الامور في بلدهم؟
نعم.. ان الامور لا تسير في الاتجاه الصحيح، بيد ان تسليم السلطة اذا تأخر عن الموعد المحدد، فلن يكون ذلك في صالح العراقيين ايضا. ان الدافع لاعمال المقاومة سواء السلمية منها او المسلحة انما هو وجود قوات الاحتلال، ووجود حكم اجنبي متمثل في سلطة التحالف المؤقتة.. وسوف يختلف الموقف جذريا في حال انتقال السلطة، حتى ان وكان هناك تأثير محتمل على السياسة الوطنية من قبل القوات المرابطة في العراق، اذ يبقى القرار الاخير بيد سلطة عراقية مساءلة امام شعبها.
ان التصعيد الاخير للاحداث انما قصد به تأخير هذه العملية، او ربما تعليقها الى اجل غير مسمى، لكي يتسنى ابقاء الاوضاع في العراق في حالة من الفوضى وانعدام الامن والضعف السياسي والاقتصادي، وهي اهداف تسعى من اجلها -للاسف- بعض دول الجوار، لتعرقل التحول الديمقراطي في العراق، والذي -لاشك- سينعكس عليها في المستقبل.
ان العراقيون كانوا -على مر العصور- امة متماسكة، ولن يكون التدخل الاجنبي لتفتيت الوحدة الوطنية الا محاولات يائسة سيذكرها التاريخ بكل ازدراء.. وسيتسلم العراقيون مقاليد السلطة وسيثبتون للقريب والبعيد ان (اهل مكة ادرى بشعابها)، ولن تفلح -بعون الله- المحاولات الخائبة لتعطيل هذه المسيرة.

Monday, April 05, 2004

القمة انعقدت

بينما كان اجتماع وزراء خارجية الدول العربية جاريا، والمناقشات محتدمة حول صيغة البيان الختامي لمؤتمر القمة العربية المزمع عقدها في تونس، استدعي وزير الخارجية التونسي لتلقي مكالمة (الرئيس)، الذي ابلغه قراره بتأجيل القمة! هكذا بكل بساطة، وبدون الحاجة الى تبريرات اواعتذارات!
فهل اجلت القمة؟ كلا.. لقد عقدت هذه القمة فعلا! عقدت حينما افصح احد قادة العرب عن موقفهم، وطريقتهم المثلى في اتخاذ القرار بصورة منفردة، وبدون تشاور حتى مع اقرب وزرائهم (وزير الخارجية في هذه الحالة).
وما ان اعلن النبأ، حتى بادر الرئيس المصري الى الاعلان عن استعداده لعقد القمة في القاهرة! هكذا بدون استشارة، او عودة الى (اخيه) الرئيس التونسي للاستيضاح ومعرفة الدوافع التي حدت به الى تأجيل القمة. وما الحاجة الى ذلك؟ فقد (زعل) القادة العرب على (اخيهم) وسيثبتون له انهم ليسوا في حاجة اليه.
لقد انعقدت القمة واعلنت نتائجها، واهمها فشل القادة في تحمل المسؤوليات، وفشل القادة في المشاركة مع شعوبهم، وفشل القادة في الاتفاق على الاصول قبل الفروع.. فشل القادة في تجاوز الازمات، وفشلهم في البحث عن الحلول.
لقد انعقدت القمة، وعلى رأس جدول اعمالها بحث اصلاح الجامعة العربية، وخرجت بنتيجة واضحة. فليست الجامعة العربية وحدها بحاجة الى اصلاح، وانما عقول القادة العرب، وانظمة حكم العرب، تلك التي استأثرت بالسلطة منذ وقت بعيد. واخر نتائجها موقفا جديدا: لابد من التحول الديمقراطي، ومشاركة الشعوب العربية في اتخاذ القرار.. وسيكون العراق قائد هذا التحول ان شاء الله.

Monday, March 29, 2004

التطرف

لايمكن ان يبتلى مجتمع ما باسوأ من التطرف، بكل اشكاله، الديني او السياسي او غيره. فالتطرف هو آفة تنخر هيكل المجتمع وتفرض وجهة نظر غالبا ما تكون ضيقة ويعتقد بها اقلية قليلة عدديا.
ان تنوع افكار الناس واتجاهاتهم ومعتقداتهم هو من مظاهر الطبيعة البشرية. والواقع اننا نادرا ما نجد مجموعة كبيرة من الناس تشترك تماما في كل افكارها ومعتقداتها. اذا كلما توسعت القاعدة الجماهيرية قلت العوامل المشتركة بينها. غير ان كل جماعة من البشر مهما كبرت لابد ان تجد لها عوامل مشتركة اساسية. ان هذين العاملين هما اللذان يبقيان بني البشر في حالة تعايش مع بعضهم، مع احتفاظهم بخصوصيتهم في نفس الوقت.
والمتطرفون من الناس يعملون على فرض فكرة معينة تجد لها قاعدة واسعة لدى مجموعة ما، وان لم يكن الجميع متفقا على درجة قبولها. فهم يستعملون المسلمات والمقدمات المنطقية لاثبات ان فكرتهم ليست غير خاطئة فقط، بل انها ضرورية وصالحة تماما. وهؤلاء يسعون الى جعل من يخالفهم يبدو وكأنه خاطيء او اثم يستحق العقاب، ويثيرون لديهم وخز الضمير مما يحمل المخالفين (حتى وان كانوا اغلبية) على عدم معارضة هؤلاء المتطرفين، ان لم يكن تأييدهم.
ان مثل هذه المساعي كفيلة بان ترجح وجهة نظر واحدة، مهما بلغت صلاحيتها، وبالتالي فرضها على الجميع بغض النظر عن العيوب التي لايظهرها الا وجود معارضة قادرة على التشخيص، وتعمل بحرية كاملة وبدون ضغوط نفسية. لذلك حذار من تلقي الافكار المتطرفة، او من السماح لها بالانتشار، فهي سرعان ما ستغدو قاعدة لايجرؤ احد على مخالفتها، وستصادر الحرية الفكرية قبل اي شيء، ليتحول المجتمع بعدئذ الى مجرد منفعل لا حول له ولا قوة.

Monday, March 15, 2004

الحل الوسط

بعد اجتماع عاصف لمجلس الحكم خرج احد اعضاءه وصرح للصحفيين ان المجلس قد خرج بنتيجة بعد ايجاد حل وسط، واضاف (بمرارة): يبدو اننا اصبحنا متمرسين في ايجاد الحلول الوسط!
وفي الحقيقة ان التوصل الى حل وسaط في اي نقطة خلاف هو احد المباديء المهمة التي تقوم عليها الديمقراطية. ذلك ان الاختلاف في الاراء اذا اريد له ان يكون مفيدا فلابد ان يثمر عن ايجاد حل لمسالة او تشريع لقانون. وطالما كان الاختلاف سمة من سمات الطبيعة البشرية، فلابد اذن من ايجاد طريقة لتقريب وجهات النظر والخروج بالحلول الوسط.
ومما لا يختلف عليه اثنان ان هناك قضايا لايجوز ان تحل بالتسويات والحلول الوسط، وخصوصا القضايا التي تمس المعتقدات والامور المصيرية. غير اننا يجب ان لانتوسع في اضافة المسائل الى قائمة المحضورات، لان ذلك يضيع فرصة التوصل الى اتفاق.
ان من اهم عوامل النجاح للديمقراطية هو امكانية الخروج بقرارات تفيد المجتمع وتعمل على حل مشاكله، وليست هناك حكمة من النقاش المطول اذا لم يثمر عن قرار هادف. كما ان العامل الاخر لنجاح تنفيذ القرار هو اقتناع مشرعيه بفائدته ولو جزئيا، ولا يكون ذلك الا بمساهمتهم في انجازه، من خلال التعديل حسب ما يرونه مناسبا، وعلى اصحاب المقترحات الاصليين ان يتفهموا اهمية التعديلات التي يضعها الاخرون.
ان التوصل الى قرار باجماع الاراء ليس من الاشياء المعتادة في حياة الناس، ولكن التقريب بين الاراء وايجاد الحلول الوسط هو الذي يمكن من نيل رضا الجميع وبالتالي دعم الجميع، وهو الحماية الاكيدة للاقلية من تعسف (ولو غير مقصود) الاكثرية. وتلك هي ضمانة استمرار الديمقراطية اذا اريد لها ان تكون نظاما يسود الجميع.

Monday, March 01, 2004

التعبير السلبي

لم يكن حادث التفجير في مقر القوات البولندية الاول من نوعه في محافظة بابل، فقد سبق ذلك حادث مماثل في مدينة الاسكندرية. كما كانت هناك بعض الحوادث الموجهة ضد قوات التحالف وقوات الشرطة العراقية وبعض المنظمات الانسانية العاملة في العراق.
والغريب انك تجد عددا من المواطنين يدّعي ان هذه الحوادث هي من تدبير قوات التحالف نفسها! فهناك من يقول ان طائرات مقاتلة امريكية قامت بقصف الاهداف في مدينتي الحلة والاسكندرية ويتذرعون بالحفر التي خلفتها الانفجارات، بل يجزمون انهم حصلوا على قطع من شظايا الصواريخ المستخدمة في الهجوم!
ولست هنا في موقف الدفاع عن قوات التحالف، كما انني لا اروم اثبات ان التفجيرات كانت باستخدام سيارات مفخخة يقودها انتحاريون.. فهذا الامر واضح للمتتبع والمحلل المنصف. الا ان ما اريد الاشارة اليه هو تقبل االعديد من المواطنين للتحليلات الخيالية بهذه البساطة، دون الامعان في النظر ولا اعمال الفكر في منطقية الادعاء.
ولاشك ان هناك خيبة امل شديدة حيال السياسة الامريكية في العراق.. فالمواطن العادي لمس بعض التحسن خلال فترة العشرة اشهر الماضية الا ان ذلك لم يكن بالمستوى الذي كان يطمح اليه، رافقه ترديا في الناحية الامنية. غير ان هذا الاحباط ليس مبررا لتقبل الاشاعات ونشرها، ويجب الحديث عنه بشكل منفصل وواضح، وليس بالتعبير السلبي المتمثل بتحويل الانظار عن قضية الارهاب الذي يتفشى في الساحة العراقية، وهو ما يريده اعداء العراق الحقيقيون.

Monday, February 16, 2004

مظاهرات

لعل من ابرز الامور التي حدثت بعد سقوط نظام صدام، الحرية في التعبير عن الرأي التي تمثلت بالمظاهرات والمسيرات، حيث اصبحت جزءا من الحياة السياسية ومنفذا مهما للتعبير عن اراء وتوجهات الفئات والتجمعات الاجتماعية والسياسية.
ففي اماكن عددية من العراق تجري بشكل يومي مظاهرات تتراوح بين استنكار فعل او المطالبة بحقوق معينة او ربما تأييد مسؤولين حكوميين. وهذه في حد ذاتها ظاهرة صحية يجب ان ينظر اليها اولا من منظار الحرية التي هي ابرز سمات المجتمع العراقي اليوم. واذا كانت بعض المظاهرات قد شابتها للاسف بعض الحوادث غير المقبولة فهذا لا يعني باي حال انها غير صحيحة كمفهوم، ولكن علينا ان ننتقد تلك الممارسات الخاطئة بشكل تحليلي لا يلغي الهدف الاساسي.
ومن ناحية اخرى فان العديد من المواطنين يشتكي ان لا فائدة من المظاهرات طالما انها لا تجد اذانا صاغية سواء من قوات التحالف او من المسؤولين. وهذا غير صحيح، ذلك ان المظاهرة تشكل ضغطا كبيرا على كل من هذين، ولكن لكي تكون ذات فائدة مباشرة، على القائمين بها ان يقدموا مقترحات لحل المشاكل التي ادت الى خروج المظاهرة.
وهنا نود الاشارة الى فكرة مهمة: لكي تكون لدينا استفادة حقيقة من الديمقراطية علينا ان نراعي شروطها.. ومن اهمها احترام حقوق الغير في التعبير عن الرأي. لقد قال الرئيس الامريكي جورج بوش حينما سئل عن المظاهرات التي وصفت بـ(المليونية) والتي خرجت في انحاء عديدة من العالم مطالبة بعدم شن الحرب على نظام صدام، قال: ليس من حق اي مظاهرة مهما بلغ عددها ان تدعي انها تمثل الاغلبية.. ومضى قدما الى الحرب، وحدث تحرير العراق، وسكتت هذه المظاهرات. ترى ماذا سيكون الحال اليوم لو ان بوش اصغى الى تلك المظاهرات؟

Monday, January 26, 2004

قانون الانتخابات

تدور في هذه الايام نقاشات ساخنة حول امكانية اجراء انتخابات للمجلس التشريعي الذي ستنبثق عنه الحكومة المؤقتة التي ستتسلم مقاليد الامور في نهاية حزيران المقبل، كما تقضي خطة مجلس الحكم.
ففي حين يصر البعض على صعوبة او استحالة اجراء مثل هذه الانتخابات، يحتج المعارضون بانها ممكنة جدا، اعتمادا على معلومات تعداد 1997 والبطاقة التموينية. والحق ان كلا الطرفين لديه حجة مقنعة.
ولاشك ان فكرة اجراء انتخابات هي في تصميم التوجه الديمقراطي المؤمل للعراق الجديد، والدعوة اليها هي احد الخطوات المهمة على طريق بناء ديمقراطية تكون (مثالا لدول الجوار). ولكن هناك قواعد للديمقراطية تمنع العبثية والفوضوية، وتضع ضمانات ديمومة واستمرارية النظام الديمقراطي. ومن اهم هذه القواعد سيادة القانون، الذي يشتمل ايضا على قانون الانتخابات نفسها. فاذا اردنا ان ندعو الى انتخابات، فما هي القواعد والقوانين الواجب اتخاذها؟ ما هو العمر المسموح به للناخب والمرشح؟ ماهي شروط الترشيح؟ ما هو دور المرأة؟ ما هو موقف البعثيين السابقين؟ من يشرف على مراكز الانتخاب؟ من يحميها؟ من يفرز الاصوات؟ واسئلة اخرى كثيرة.
ان الجواب على بعض هذه الاسئلة قد يكون بالاعتماد على القوانين السابقة بعد تنقيحها، ولكن سؤال اخر سيطرح حالا: من ينقح هذه اللوائح؟ كما ان الاعتماد على بعض شرائح المجتمع العراقي لن يحمل الشرعية الكافية، بل يجب اشراك جميع الشرائح في هذه العملية. ان خطة مجلس الحكم قد لا تكون الامثل، لكنها على الاقل تضمن ان من يكتب الدستور سيكون منتخبا وليس معينا او منتدبا، وبالتالي فان الشرعية ستأتي تدريجيا وليس دفعة واحدة.. ولكنها ستحل في النهاية.

Wednesday, January 14, 2004

المرأة قائدا

في مناطق كثيرة من العالم حصلت المرأة على حقوق واسعة، واصبحت شريكا للرجل في كل ميادين الحياة تقريبا. واستطاعت ان تتولى مسؤوليات مهمة كالسفارات والوزارات بل والرئاسة ايضا. ولكن تولي المناصب المهمة بقي في الاغلب الاعم محصورا على الرجال، وكانت المرأة استثناء ومثالا ليس الا. وذلك لا يعود الى عدم قدرة المرأة على القيادة كما قد يحاجج البعض، بل لانها هي غير مهتمة بالامر.
وفي المجتمعات الشرقية كانت هناك منذ بداية القرن الماضي دعوات كثيرة لتحرير المرأة.. وان كان بعضها لا يتعدى الدعوة الى رفع الحجاب عن الوجه (البوشيه)، والمساواة في التعليم، وما شاكل ذلك. بينما كان تولي المناصب الرسمية ومنها القضاء امرا مستنكرا حينا ومدعاة للدهشة احيانا أخرى. فاذا كانت المرأة الغربية والتي تتمتع بالحرية والشخصية المستقلة، والتي تجد نفسها ندا مساويا للرجل بكل ثقة، اذا كانت هذه المرأة غير مهتمة بالحياة السياسية، فما هو حال المرأة الشرقية والعربية تحديدا؟
غير اننا لا يجب ان ننتظر حتى تصبح نصف الوزارات والبرلمانات الغربية من النساء حتى نبدأ بالتفكير في شيء مماثل لنسائنا.. فان وجود المرأة على الساحة السياسية ضروري ليس من اجل قضايا المرأة فقط، وانما لانها لا تقل شأنا عن الرجل ولها كل الحق في ابداء الرأي، علاوة على كونها العنصر الاقل تعصبا والاكثر صبرا.. وهما العاملان الاساسيان في تجنب الحروب واشاعة الاستقرار والرفاهية.. فهل سيأتي يوم نجد محافظ بابل مثلا، اماً سهرت على تربية ابنائها حتى عرفت باي ثمن يكبر الاولاد؟ عسى ان يكون قريبا..

Monday, December 15, 2003

نصفٌ خيّر

خلال عمر الانسانية الذي يبلغ المكتوب منه قرابة عشرة الاف عام، سجل التاريخ فضائع شتى ارتكبها مخلوق ضعيف تفتك به الامراض وليس له ادنى حماية من تقلبات الطبيعة.. ارتكبها بحق جنسه قبل الاجناس الاخرى.. وظلت البشرية تعاني ويلات الحروب بشكل متكرر وكأنها مسرحية يعاد تقديمها المرة بعد المرة.
وعلى مدى تلك القرون توصل بني البشر الى حقيقة اساسية تتمثل بالتشريع. فالقانون هو الكفيل بحسم الكثير من المنازعات ضمن الحدود المتاحة على الاقل. واختلف التشريع القانوني باختلاف الجماعات التي تضعه. واسست الدول والكيانات التي تستطيع ان تعيش في ظل نفس القانون، وبقيت مشكلة الاقليات مثارا للنزاعات.
ان من يستطلع تاريخ الانسان يعجب للتطور المذهل الذي حققه في كل الميادين.. وكيف استطاع استخدام موارد الطبيعة بما يحقق النفع العام او التدمير الشامل. لقد ارتقى الانسان من رجل الكهوف الصياد الى رجل الصناعة الانيق، دون ان يستطيع ان يرتقي فعلا على نزواته وطبيعته نصف الخيرة-نصف الشريرة.. وظل الفلاسفة وحدهم يعتقدون امكانية طغيان النصف الخيّر على النصف الاخر.
فاذا لم يكن بالامكان ان يكون كل البشر فلاسفة، فليكن ولاتهم كذلك.. لينظر كل راع الى رعيته من زاوية النصف الخير.. وليعملوا على تنميته ورعايته.. فالحقيقة الاخيرة هي ان البشر يميلون الى احدى الجهتين بمقدار ثقلها وليس لرغبتهم فيها.. وهذه هي مسؤولية الحكم.. مسؤولية الارتقاء بالبشرية كما يريد لها خالقها جل وعلا.

Monday, December 08, 2003

ارهاب وترهيب

من الطبيعي ان يكون هناك من يصف اعمال العنف ضد القوات الامريكية بالمقاومة.. فليس من المتوقع ان يوافق الجميع على المتغيرات السياسية التي تحدث على الساحة.
ومن الطبيعي ايضا ان توصف هذه الاعمال بالارهاب كونها موجهة في احيان كثيرة ضد العراقيين انفسهم، او لانها ليست ذات دلالات عملية يمكن ان تؤدي في نهاية الامر الى انهاء الاحتلال. ولقد كان مصطلح (الارهاب) على الدوام يحمل معان مقيتة تعبر في ذاتها عن استنكار شديد للافعال التي تندرج تحت هذه المسميات.
ولكن الغريب ان ينبري بعضهم الى ايجاد معنى مختلف للفظ (الارهاب) باستخدام شواهد قرآنية، ويستنتج ان (الارهاب) في حد ذاته ليس سيئا!! وانه حتى تحت هذه الاسم هو احد الدعامات الرئيسية لقوة الاسلام!!
والاية التي يحتج بها هي قوله تعالى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم..) فقد استعمل الباري عز وجل لفظ (ترهبون) بما يدل على حسنه. ولكن فات صاحبنا ان الارهاب غير الترهيب.. فالاول فعل يقوم به شخص او اشخاص لحمل الاخرين على قبول فكرتهم بالقوة.. بينما يدل الثاني على افعال تقوم بها كيانات او دول لمنع الاغارة عليها او الطمع بها. والفرق بين الاثنين واضح رغم وجود معنى استعمال القوة ضمنيا في المصطلحين.. فالاستعداد للدفاع امر ضروري، بينما ليس هناك مبرر لاستخدام العنف ضد من نختلف معهم.
ان محاولة ايجاد معان تجميلية لمصطلح (الارهاب) هو تسويف للحقائق يقصد منه الايهام بان مصطلحي (الارهاب) و(المقاومة) لهما مدلول واحد.. وطالما كانت المقاومة -بالتعريف- جائزة.. فلا بأس اذن بالارهاب!

Monday, December 01, 2003

مقاومة واحتلال

لعل من الامور المستعصية ايجاد تفسير محدد لمعنى المقاومة.. كما يعد مفهوم الاحتلال مفهوما غامضا في حالة العراق خصوصا. والحقيقة ان هذه الكلمات هي كلمات مطاطة تحتمل الكثير من المعاني.
واذا عدنا بالتاريخ الى الوراء نستطيع ان نحدد ثلاثة مفاهيم للاحتلال. فعندما هاجم هتلر بولندا بحجة انها ضمن المجال الحيوي لالمانيا فهذا احتلال واضح بغية الضم.. وحينما احتل هتلر فرنسا واستعبد فلاحيها وعمالها لادامة زخم معارك الحرب العالمية الثانية، فهذا مفهوم اخر للاحتلال يعتمد على استعمار المناطق المحتلة. ولكن ماذا يقال عن حالة احتلال المانيا من قبل جيوش الحلفاء للقضاء على النظام النازي وبناء دولة ديمقراطية لن تكون تهديدا للامن والسلم العالميين بعد ذلك؟
وعليه فقد بقيت صور المقاومة البولندية والفرنسية مشرقة عبر صفحات التاريخ الحديث واصبحت مثلا يحتذى به.. بينما لايكاد يوجد ذكر للعمليات التي قامت بها الفلول النازية بعد سقوط نظام هتلر والتي استمرت قرابة ثلاثة اعوام.. لقد نسيها التاريخ لانها لم تكن الا اعمالا يائسة لاناس فقدوا موقعهم وقوتهم.
وما يقال عن النظام النازي يمكن ان يعد مثالا نموذجيا للنظام الصدامي الذي مارس نفس الاساليب في حروبه وبحجج مماثلة تقريبا، بينما كان تحرير العراق مماثلا لتحرير المانيا.. ومثلما اصبحت المانيا اليوم قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية كبرى، فان العراق في قابل الايام سيكون له مثل هذه القدرة، ذلك انه يحمل مقومات الرقي الحضاري التي تجعله مؤهلا لان يكون بؤرة اشعاع في المنطقة والعالم.
وهكذا فان تسمية اعمال العنف التي تجري حاليا بـ(المقاومة) هو من باب اطلاق القول على عواهنه.. وان الاحرى بنا ان نعمل من اجل استقرار هذا البلد المنهك من الحروب والويلات عبر عهود طويلة.. بدلا من اهدار الفرص تحت مسميات لن يذكرها التاريخ الا كاحداث عرضية عرقلت مسيرة العراق الناهض.

Monday, November 24, 2003

قرار صائب

لعل اكثر الاسئلة الحاحا التي تطرح في هذه الايام، وقد تكون اصعبها في الاجابة، تلك المتعلقة بحملة الاعمار المنتظرة، ولماذا لا تبدأ رغم مضي ستة اشهر على سقوط النظام المقبور.. وستجد الكثير من المشاريع التي يتحدث عنها المواطنون في الدوائر والبيوت والمساجد والمقاهي وكلها جديرة بالمناقشة واخذها بعين الاعتبار.. ولكن المؤسف ان هذه الاحاديث لا تجد لها اذنا صاغية، ولا تبدر اية اشارة تنبيء بان تلك الحملة ستكون في تاريخ معين قريب او بعيد.
والحق ان الاجابة المعتادة بان حملة الاعمار مرتبطة باستقرار الوضع الامني لم تعد تقنع الكثيرين، خصوصا وان هناك تدهورا ملحوظا في الحالة الامنية نتيجة التدخل الخارجي على ما يبدو.
فاذا قدر للهجمات الارهابية ان تستمر لفترة طويلة -كما تتوقع لها سلطات التحالف- فان ما يمكن ان يتحقق من اصلاح البنية التحتية واطلاق لمشاريع الكبرى ودفع عجلة التقدم نحو الامام، كل ذلك لا يعدو ان يكون امنيات تعود الشعب العراقي عليها خلال عقود من الزمن.
واذا كانت تلك الهجمات تأول عادة بمحاولة عرقلة مسيرة الديمقراطية في العراق، فالاولى ان لا يسمح لها بتحقيق مآربها، بل على العكس من ذلك.. اذ ينبغي الاسراع بالعمل الجدي في بناء عراق ديمقراطي متوافق مع عراق متقدم تقنيا.. وليس بالضرورة الاعتماد في ذلك على الخبرات الاجننية، طالما كانت هذه الخبرات تخشى المغامرة، فلدى العراقيين الكفاءة والمقدرة والثروات التي تمكنهم من بناء بلدهم كما ينبغي له ان يكون.
فيا اولي الامر في مجلس الحكم.. بادروا الى اتخاذ قراركم واتخذوا الامور على عاتقكم.. فلقد قيل قديما (ما حك جلدك مثل ظفرك) وكان هذا القول دائما صائبا.

Monday, November 10, 2003

يوم التفجير!!

اعتبارا من منتصف نهار احد ايام شهر اب عام 1998 وحتى حلول المساء، خلت الشوارع في معظم المدن العراقية من المارة والسيارات، واغلقت المحال التجارية ابوابها، وبدت هذه المدن كأنها مدن اشباح.. والسبب كان (كسوف الشمس). بينما كانت تقام -في نفس الوقت- احتفالات في اماكن اخرى من العالم لهذا الحدث الذي قد لا يتكرر في حياة المرء.
ولكن السبب الحقيقي في الرعب الذي اصاب الناس ودفعهم الى ملازمة دورهم كان الاشاعات الموجهة التي بثت بشكل منظم ومتعمد واقنعت اغلب الناس ان مجرد النظر الى قرص الشمس اثناء الكسوف يؤدي الى العمى.. ولا احد يتحدث عن الوقاية من الرؤية المباشرة بالنظارات الخاصة او الواح التصوير السالبة او غيرها من الوسائل التي تحمي العين وتسمح بالتمتع بمشاهدة آية كونية فريدة.
والذي دفعني اليوم لتذكر هذه الحادثة، تلك الاشاعة التي راجت قبل ايام حول (يوم التفجير) او (يوم المقاومة) والتي تجد كل شخص يتحدث عنها وكأنها امر محتوم، بل تناقلته القنوات الفضائيات العربية بصيغة الخبر المؤكد، دون الالتفات الى حقيقة بسيطة.. ان من يريد تنفيذ عملية ما فان اول ما يرغب فيه هو مفاجأة الهدف.. وليس تنبيهه!!
نعم ان الاشاعة كانت سلاحا بيد النظام المقبور، ولازالت سلاحا بيد اذنابه.. واذا سمحنا لها ان تستشري دون إعمال الفكر وامعان النظر فاننا بلاشك ننفذ لهم مأربهم في ترويع الاهالي وتأخير عجلة البناء والتقدم.. فحذار ايها الشعب المبتلى.. حذار من الاشاعات ومن مروجيها فانها الوسيلة الاكثر تدميرا.

Monday, November 03, 2003

انتحاري.. ارهابي

لا ادري ما الذي يدفع الانتحاري الى ان يفجر نفسه في سيارة مفخخة مؤديا بذلك الى هلاك العديد من الاشخاص الابرياء وتخريب الممتلكات.. لا ادري كيف يسعى بعض الناس الى فرض منطقهم على الباقين باي وسيلة.. وهل تأمل هذا النفر الضال بمآثر السلف الصالح؟
لقد خرج الامام الحسين عليه السلام ثائرا في ثلة من اصحابه، وهو يأمل ان يلقى تأييد من ارسل اليه طالبا النجدة.. ولكنه خـُذل حين التقى الجمعان في وادي الطف، فهل كان الحسين انتحاريا؟ كلا.. لقد قال للجيش العرمرم الذي اعد للقائه: (ان كرهتموني فدعوني..) ولو فعلوا لما كانت كربلاء..
ولا يذكر التاريخ -كما اعلم- واقعة لاناس القوا انفسهم في التهلكة بداعي الحفاظ على الدين.. خاصة مع مبدأ (التقية) الذي يعتقد بوجوبه معظم المسلمين وان اختلفوا في التسمية. ذلك لان النفس الانسانية عزيزة ولا يجوز هدرها، والمجال الوحيد للتضحية بالنفس هي ساحة الوغى دفاعا عن الدين او الوطن او العرض او الكرامة..
وهكذا فان الانتحاري ليس مجاهدا.. وان زين له ذلك من يدفعه لمثل هذه الاعمال الخبيثة، ولا يقدم خدمة لدينه، بل يضره افدح الضرر.. كما انه ليس وطنيا، حيث لا يقتل المرء مواطنيه مهما كانت الاسباب.. فماذا تبقى غير لفظ الارهابي وصفا له؟ انه بالتأكيد الوصف المناسب لاناس يرفضون التسليم بحقيقة انهم لا يستطيعون اقناع الاخرين الا باجبارهم بالقوة على الاستماع لهم.. وليست تلك بالتأكيد الطريقة المثلى‍.

Monday, October 27, 2003

شارع الموكب

درج النظام المقبور على اطلاق تسميات تمجد شخص (القائد) على الاحياء السكنية والمدن والجسور والمستشفيات والمدارس..الخ. ولم يكن هناك من اثر لرغبة الشعب من سكنة هذه الاحياء او المدن في اختيار الاسم الذي يرتضون.
واليوم بعد ان ذهب هذا النظام المستبد الى غير رجعة بدأ الناس يختارون اسماء يطلقونها على احيائهم ومدنهم ومدارسهم، حسب رغبتهم كما يبدو في الظاهر. ولكننا نجد ان اطلاق المسميات اتخذ منحا موحدا، وان كان مناقضا للسابق. وليس من ذكر للاحداث العظيمة التي صنعت حضارة الشعب العراقي.. ولا للاسماء التي تزرع الامل في المستقبل.
من ناحية اخرى فان الرموز الدينية العظيمة لم تغب عن مسميات النظام السابق، فهناك شارع الامام علي وحي الحسين على سبيل المثال.. والكل يعلم انها محاولات لاستمالة الرأي العام واقناعه بان النظام يهتم لامرهم وعقائدهم دون ان يفعل شيئا على ارض الواقع يثبت ذلك.
فهل سنتتبع خطى نظام صدام المقبور ونتخذ من التسميات دليلا على العمل؟ ان شر ما يمكن ان يفعله المرء هو الانتقال من تطرف الى تطرف مناقض، والفضيلة دوما في الاعتدال.
وبهذه المناسبة فانني اقترح وسيلة لاطلاق التمسية.. بالنقاش عبر وسائل الاعلام، ومنها (عشتار). وسأفتتح ذلك باقتراح اسم (شارع الموكب) على ما كان يسمى (شارع علي عجام) في مركز مدينة الحلة. ولا يخفى ماكان من اهمية شارع الموكب في الحضارة البابلية والطقوس التي كانت تقام سنويا والتي شدت انتباه العالم القديم اليها وكشفت عن حضارة ساهمت في صنع التاريخ الانساني.

Monday, October 20, 2003

حدود وحدود

كثر في الاونة الاخيرة الحديث عن مراقبة الحدود مع الدول المجاورة، خصوصا بعد الهجمات الانتحارية المتكررة التي استهدفت بالدرجة الاولى المواطنين الابرياء.. والحق ان حماية حدود العراق يجب ان يكون من اولويات سلطات التحالف ومجلس الحكم، وربما كان اول واجبات الجيش الجديد.
ولكني اتساءل لماذا لا تسعى الدول المجاورة الى حماية حدودها مع العراق، اذا كانت تهتم فعلا بمصلحة الشعب العراقي؟ خاصة وان هذه الدول تملك جيوشا منظمة وادارات مركزية واجهزة استخبارات؟ بيد ان الكل يعلم ان الحدود التي يجب مراقبتها هي الحدود مع ايران المسلمة، وسوريا العربية المسلمة.. اي ان الروابط العرقية والدينية بينهما وبين الشعب العراقي تتجذر عمقا في التاريخ.
ومن ناحية اخرى فاننا لا نخشى من تسلل عبر الحدود الكويتية، تلك الدولة الصغيرة التي اراد التهامها صدام، والتي اثبتت انها الوحيدة التي تقف الى جانب العراقيين بتقديمها الدعم غير المحدود لعملية تحرير العراق.. ولا من تركيا التي قدمت هي الاخرى بعض التسهيلات.
كما اننا لا نخشى من التسلل عبر الحدود السعودية التي اعلنت قبل ايام اعتقالها اربعة من مواطنيها لمحاولتهم التسلل الى العراق.. او الاردن الذي تعوّد خشية العراقيين قبل الخشية عليهم.
ان الارهاب سلاح ذو حدين، ومن يرعاه فسرعان ما سينقلب عليه، لانه مجرد عن المباديء والاهداف السامية، فهو ليس نضالا ولا جهادا.. وان من يدفع لهذه الاعمال تاجر يتلهى بصرف امواله على الموبقات دون اكتراث، وعليه في النهاية مواجهة الخسارة اليوم.. ومساءلة التاريخ غدا، والحساب الالهي اخر الامر.. وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون.

Monday, September 22, 2003

دموع الرائد بينيت

قبل فترة وجيزة صدر امر للقوات الامريكية المتواجدة في محافظة بابل بالانسحاب لتحل محلها قوات بولندية. وقد انتقد الكثيرون هذه الخطوة، ليس لعدم ثقتهم بالقوات البولندية، ولكنها الطبيعة البشرية بالتخوف من كل تغيير، ولما لمسوه من حسن التعامل والتنظيم والسيطرة على مجريات الامور الذي تميز به الضباط والجنود الامريكيون.
وعلى هذا فقد جرى توديع القوات الامريكية باحتفال رسمي، وقام بعضهم بالذهاب الى مكاتب العراقيين وتوديعهم والتقاط الصور التذكارية وتبادل الامنيات بالخير والسلامة للجميع. ومن بين هؤلاء اذكر الرائد بينيت المسؤول القانوني في قوات التحالف. فقد شاهدته يصافح ويعانق بعض الاخوة العراقيين الذين عملوا معه او كانت لهم معرفة وثيقة به.. حيث بادره احدهم بالقول: نحن سعيدون لاجلك لانك ستعود الى وطنك، وان كنا غير سعيدين بمفارقتكم. وهنا اخذت الرائد بينيت عبرة فسكت هنيهة ثم شبك يديه وقال في حسرة والم واضحين: لست عائدا الى اهلي، بل نحن ذاهبون الى الفلوجة.. ثم القى نفسه على اقرب كرسي.. ولما نظرت الى عينيه وجدتهما اغرورقتا بالدموع..
فهل كانت دموع الرائد بينيت خوفا؟ لا اعتقد.. فهذا المقاتل الذي خاض معارك طاحنة قبل شهور قليلة لا يمكن ان ان يكون جبانا. والارجح انه كان معترضا على الانسحاب لانه يرى انه لم يكمل عمله في محافظة بابل. فقد كان له دور اساسي في تنظيم عمل المحكمة وانشاء المجلس البلدي بالاضافة الى واجبات اخرى. فاذا كانت تلك الدموع تحية، فقد ردت هذه التحية عينا سيدة عراقية احتضنت احشائها جنينا، يبشر مولده بالمستقبل المشرق للعراق الجديد.
فتحية لك ميجر كريك بينت، مقاتلا ساهم في تحرير العراق، وتحية لك محاميا عمل بجد واخلاص من اجل بناء العراق الجديد، وتحية لك انسانا لم يخجل من اظهار خلجات قلبه، وليحمك الله ويعيدك سالما الى بيتك ووطنك.

Monday, September 15, 2003

معادلة ذات طرفين

من المؤكد ان استقرار الامن في اي مكان هو شرط ضروري لسير الحياة بشكل طبيعي.. وليس العراق استثناء من ذلك. ولكن.. هل هناك معيار يمكن الاستناد اليه في تقييم مستوى الامن؟
قد تكون الهجمات ضد قوات التحالف، وعمليات التفجير لمقرات المنظمات العالمية والمشآت المدنية الاخرى، بل الهجمات ضد قوات الشرطة العراقية وبعض الرموز الوطنية، قد يكون كل ذلك اشارة الى مستوى منخفض من الامن. ولكن.. اليس هناك تفجيرات في اماكن اخرى من العالم، منها النامية ومنها المتقدمة؟ اليس بعض هذه الهجمات يحدث في بلدان تملك جيوشا وقوات شرطة وتقنية عالية في كشف وتتبع العمليات الارهابية؟ فهل قال احد انها بلدان خطرة؟
استطيع القول ان المستوى الامني جيد في العراق قياسا بالامكانيات المتاحة حاليا لقوات حفظ الامن، بل وحتى قياسا الى ما يمكن ان يكون عليه بلد انهار نظامه الامني فجأة.. وذلك تعبير دقيق عن طبيعة العراقيين، فهم شعب طيب مسالم يحب الخير، ابتليَ بزمرة فاسدة جثمت على صدره واستطاعت بجهد كبير كسب ثلة من الانصار هم بالذات من يقلق امن هذا البلد ويعيق تقدمه.
وعلى هذا فان احتجاج البعض بان العراق غير آمن، وبالتالي فانه غير مناسب للاستثمار، غير مَبن ٍ على اساس.. بل اننا نرى العكس، حيث ان قدوم الاستثمارات الاجنبية سيعمل على ايجاد حل لمشكلة البطالة والمساهمة في توفير الخدمات الاساسية واعادة تأهيل البنية التحتية، جنبا الى جنب مع انشاء المشاريع الجديدة التي ستؤدي الى الازدهار الاقتصادي والثقافي.. وهذا كله سيمتص النقمة الناجمة عن البطالة وقلة الخدمات التي قد تدفع البعض الى سلوك طريق غريب عن تربية العائلة العراقية.. وكل ذلك يصب في تحقيق الاستقرار والامن للعراق. فهي اذن معادلة بين طرفين: الامن والاعمار.. وان تحقيق ايا منها سيحقق الاخرى بالتأكيد.

Monday, September 08, 2003

حي على الجهاد

لاشك ان حادث الاعتداء الاثم على سماحة اية الله محمد باقر الحكيم قد شكل صدمة كبرى، ليس للعراقيين وحدهم، بل للعرب والمسلمين والعالم اجمع. ذلك ان الفاجعة وقعت في مكان وزمان مقدسين واستهدفت شخصية دينية وسياسية وصفها الكثيرون بـ(المعتدلة).
وليس ادعى من هذا الاعتداء على التساؤل عن مدى نجاعة الاحتياطات الامنية، سواء ما يتعلق بكبار الشخصيات او المنشآت الحساسة، وحتى المواطنون العاديون.. هذا التساؤل الذي سبق وان طرح عقب تفجيرات السفارة الاردنية ومبنى الامم المتحدة في بغداد.. فهل اصبح العراق مسرحا للفعاليات الاجرامية، وهل سيُجر البلد الى حرب اهلية؟
اما الحرب الاهلية فلا، لان شرطها الرئيس غير متوفر، ولا نعتقد توفره في قابل الايام. وذلك الشرط هو الاختلاف العرقي او المذهبي الذي اذهب رشده التعصب الاعمى.. فالعراقيون كانوا ولازالوا وسيبقون الى ما شاء الله، شعب يحتكم الى العقل، ويجنح الى السلم.. ولم تشكل اختلافاتهم المذهبية او العرقية الا سمة للتكامل وتجسيدا لوحدة وطنية حريّ ان يُتثمل بها.
واما الاحتياطات الامنية فعليها ان تأخذ درسا بليغا من هذه الوقائع الاليمة.. فقد قالوا قديما (ماحكّ جلدك مثل ظفرك).. فاذا اراد العراقيون ان ينعموا بالامن فعليهم ايجاده بانفسهم، وليس بالقاء التعبات على اية جهة، مهما بلغت قوتها. فلسنا نعلم في اي وقت سيتخلى عنا من نطلب حمايته -وذلك واقع لامحالة- وعندها لن نجد حماية من غريب او قريب. علينا ان نثق في شرطتنا الوطنية، ونشجعها، ونساعدها.. وربما ادعو الى التطوع للعمل معها واصف هذا العمل بالجهاد.. واي جهاد خير من حماية ارواح واموال وامن المسلمين.. ذلك الجهاد الذي سيفضي بالعراقيين الى املهم المنشود.. الحرية.

Monday, September 01, 2003

مقارنة عقيمة

بين الحين والاخر يطالعنا بعضهم بمقولة (لم يتغير شيء.. صدام لازال موجودا). ولاشك ان الكثير من السلبيات التي كانت موجودة في العهد البائد، لازالت موجودة. فالكهرباء والماء الصافي والمجاري والوقود والخدمات البلدية والبطالة المستشرية بين الشباب هي بحق مشكلات مهمة وتمس حياة المواطنين، خاصة اذا اضيف اليها عنصر الامن.. ولن يكون الاحتجاج بان هذه السلبيات كانت موجودة او لها اساس في النظام السابق مقنعا للكثيرين، لانهم يعتقدون انه لم تكن هناك مشاكل حقيقية، وانما كانت مفتعلة لازعاج المواطنين وشغلهم عن ممارسة دورهم الوطني في التصدي للدكتاتورية.. وفي هذا ايضا كثير من الصحة، ولكن ليس الحقيقة كلها.
لقد عمد النظام الصدامي الى اهمال كافة مرافق الحياة بشكل خطير، غير انه كان يمسك مفاتيح الامور، ويستطيع احداث بعض التحسين ان شاء. وقد لعب لعبته هذه للضغط على دول العالم من اجل رفع العقوبات المفروضة عليه، ليتسنى له رفد ترسانته العسكرية على حساب معاناة الشعب العراقي. فان اضيف الى ذلك ما يصيب المنشآت الحيوية من اضرار جسيمة نتيجة اعمال التخريب والنهب التي يقوم بها اذناب هذا النظام المقبور كانت الحصيلة وضع غاية في الصعوبة، يحير القائمين على صيانة واصلاح هذه المنشآت.
ان المقارنة بين فترة حكم صدام وزبانيته وبين الفترة التي تلتها، انما هي مقارنة عقيمة، فليست اربعة شهور كمثل خمس وثلاثين عاما، وليست الحرية والديمقراطية كالتعسف والاستبداد والحكم الفردي، وليست المساواة واتاحة الفرص للجميع كالتفرقة والعنصرية والتمييز الطائفي.. لقد كانت هناك مشاكل قبلا ولازالت هذه المشاكل موجودة الان.. والفارق ان الشعب كان يائسا وليس له دور في حلها.. واليوم فان الكثير من ابناء هذا الوطن يحدوهم الامل لبناء حضارة متميزة في المنطقة وليس فقط حل مشكلات آنية وان كانت اساسية.. وهم يفخرون بانهم يشاركون في هذا العمل الشاق الدؤوب.

Monday, August 25, 2003

مسؤولية تاريخية

منذ اقدم العصور، كان الناس بحاجة الى القانون لينظم شؤون حياتهم اليومية ومعاملاتهم وحقوقهم وواجباتهم. كما ان كل المجتمعات حتى البدائية منها اتفقت على ضرورة وجود سلطة قادرة على فرض القانون والا فانه سيتحول الى مجموعة من النصوص على الورق ليس لها اثر على ارض الواقع.
وتعد الحاجة الى السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، اهم متطلبات المجتمع، ذلك انه مهما كان المجتمع متمدنا ومتحضرا، ومهما كانت اصوله العقائدية وتربيته الفكرية، فانه لا يخلو من بعض الافراد الذين لن يقتنعوا بأخذ حقهم، بل يسعون الى الحصول على (حقوق) مضافة، حتى وان كان على حساب المجتمع ككل.
ان السلطة القضائية هي المعنية بالفصل في الحقوق، ويؤشر مقدار نجاحها في عملها مستوى العدالة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية، وهو ما يعود على المجتمع بالامن والاستقرار، وان كانت السلطة التنفيذية هي المعنية بتحقيق ذلك. ومن ناحية اخرى فان غياب السلطة التشريعية يمكن ان يعرقل مسيرة المجتمع ولكنه لا يمكن ان يمنعها.
ولهذا فاننا نجد من الضروري -حتى في غياب السلطتين التشريعية والتنفيذية- ان تقوم السلطة القضائية باعمالها على اكمل وجه لانها امام مسؤولية تاريخية، وربما تقع على عاتقها -الان اكثر من اي وقت اخر- مسؤولية الحفاظ على الامن وذلك بانزالها العقاب بحق المجرمين بدلا من التسويف والتعطيل والاحتجاج بالخوف من الانتقام.. ونحن واثقون ان قضاتنا احرار ومسؤولون ولاتأخذهم في الحق لومة لائم.

Monday, August 18, 2003

انا واخي وابن عمي

تطالعنا بين الحين والاخر فبركات اعلامية من بعض القنوات الفضائية العربية، تتخذ شكل الخبر حينا، والتقارير الصحفية احيانا، اخرى للتأثير على المشاهد، والايحاء اليه بان العراق يغرق في بحر من الفوضى، وانعدام الامن، وتردي الخدمات الاساسية.. حيث يجري تضخيم حوادث منفردة في اماكن متفرقة دون تمحيص لمعرفة الاسباب والدوافع -التي قد تكون فردية محضة- بل يتم تصويرها على انها اعمال شعبية و(مقاومة وطنية).
انها مشكلة عصية، مشكلة الاعلام العربي.. فعلى الرغم من كل التطور التقني والتنقل السريع للمعلومات والاحتكاك مع الثقافات العالمية الاخرى، لم يستطع هذا الاعلام الخروج من دائرة (انا واخي على ابن عمي ونحن جميعا على الغريب).. لم يستطع ان يكون موضوعيا. حتى انه قد يتخذ موقف الوصاية على الشعب العراقي، فاخذ يطلق الاوصاف على الاحداث كما يريدها ان تكون وليس كما حصلت فعلا.
ان هذا المنهج لا يخدع الشعب العراقي، الذي لم يقف معه يوما معظم القائمين على وسائل الاعلام العربي، هؤلاء الذين مجدوا شخص (القائد الضرورة) ورفعوه الى (بطل قومي) لاسباب عديدة لم يغـب عنها العامل المادي.. ولكن ما نشعر به من اسف هو للمتلقي العربي الذي لم يكن سهلا عليه التحري عن حقيقة الامور، وبالتالي اصبح ضحية لهذا التضليل.. مما احدث هوة آخذة في التنامي بين الشعب العراقي واشقائه العرب.. وما احوج العراقيون اليوم الى رأب الصدع وجمع الكلمة ولم الشمل مع جيرانهم واشقائهم.

Monday, August 11, 2003

نية حسنة

عرضت احدى المحطات التلفزيونية الفضائية العربية مؤخرا وثيقة قالت انها بخط يد الرئيس المخلوع صدام حسين، وانها تحققت من صحتها، يوجه فيها امرا الى كبار مساعديه ابان انتفاضة 1991، باستعمال خدعة لقمع هذه الانتفاضة، وذلك بالقاء بيان مكتوب يهدد سكان المدن الثائرة باستعمال الاسلحة الكيمياوية ضدهم، وبررت الوثيقة هذا الاجراء برغبة صدام في اخماد الحركة الثورية باقل ما يمكن من خسائر مدعيا انه يتصرف بـ(نية حسنة) تجاه الشعب العراقي.
ان ما يهمنا في الموضوع هو الطريقة التي تعرض بها مثل هذه الوثائق، والتي يراد بها تجميل النظام السابق.. حيث تساءل مقدم البرنامج عن حقيقة استخدام الاسلحة الكيمياوية في قمع الانتفاضة، او حتى استخدامنها من قبل في (حلبجة).
ونحن نقول.. نعم ان الشعب العراقي يعلم حقيقة البيان الذي القته الطائرات العمودية على المدن، وانه كان مجرد خدعة.. ولكنه ما كان يملك الا ان يصدقها.. فقد استخدم صدام وزبانيته الاسلحة الكيمياوية في حربه مع ايران وفي مدينة (حلبجة) العراقية الكردية، الامر الذي دفع مجلس الامن الدولي -في حينها- الى اصدار ادانة واضحة لهذا النظام.. ولو ان استخدام الاسلحة الكيمياوية لم يكن حقيقة في السابق لما كان للتهديد باستخدامها اثر.
ولكن اليس هذا التهديد هو جريمة بحد ذاته؟ الا يعد التهديد باستخدام اسلحة الدمار الشامل ضد المدنيين ترويعا لهم، يعدل استخدامها فعلا؟ الم يؤد هذا التهديد الى تشريد الملايين من العراقيين الى المناطق النائية والدول المجاورة؟ ثم ماذا فعل جيش صدام (المنتصر) بعد هذه الخدعة (العبقرية) التي اريد بها حقن الدماء؟ الم يدخل المدن الامنة بالدبابات والمدرعات؟ الم يعتقل من تبقى من رجال، وربما نساء وشيوخ واطفال، ليجعلهم هدفا لانتقامه المريض، كما شهدت على ذلك المقابر الجماعية في طول البلاد وعرضها؟ الم ينهب هذا الجيش (ذي النيات الحسنة) المحال التجارية والدور السكنية التي اضطر اصحابها الى الفرار خوفا من هذا التهديد (الخدعة)؟

Monday, August 04, 2003

المجاملة الاخيرة

واخيرا وبعد طول انتظار وترقب تشكل في بغداد (مجلس الحكم) وهو الصيغة التي يفترض ان تؤدي الى حكومة وطنية. واذا لم يكن بالامكان مناقشة كيفية اختيار اعضاء المجلس ولا صيغة التوزيع الطائفي ولا صلاحيات المجلس مقابل الحاكم المدني الامريكي.. فلابد من مناقشة ما يمكن ان يحصل عليه الشعب العراقي من هذا المجلس.
ان اول القرارات التي اصدرها المجلس يعكس طبيعته، فقد قرر ان يكون يوم 9/4 اليوم الوطني للعراق. لقد كان يوم تنصيب صدام حسين (17/7) يوم العراق الوطني والان اصبح يوم سقوطه هو اليوم الوطني. وكأن تاريخ هذا البلد العريض يخلو من اية احداث سوى ما يتعلق بصعود وسقوط صدام حسين. بل ان شبح صدام سيبقى يتردد كل عام: 9/4 اليوم الوطني، يوم سقوط الطاغية!
لكن علينا الاعتراف ان الفضل في سقوط صدام انما يرجع الى قوات التحالف، واذا كان المجلس المعين من قبل هذه القوات عليه ان يقر بهذا ايضا، فلابد ان يبدي لغة للمجاملة، وما الضير في ذاك؟ ليس في ذلك بأس. ليكن اليوم الذي يرضى به الجميع، ولكن لتكن هذه المجاملة هي الاخيرة اذا اريد لهذا المجلس ان يحظى بثقة ودعم الشعب العراق وليس دعم قوات التحالف فقط. ان مصدر السلطة ينبغي ان يكون من الشعب وان كانت القدرة متوفرة الان لغيره.. ففي النهاية حينما تسود الديمقراطية كما يرجو المجلس فسيحاسب اعضاؤه وفقا لمنهج الخطأ والصواب وليس منهج الغايات الانية والضرورات المرحلية، وعلى مجلس الحكم ان ينظر في النهاية الى حكم الشعب وليس الى رضا الحاكم المدني.

Sunday, May 25, 2003

في الميزان

لاشك ان النظام المقبور كان يهدف من خلال سياساته الرعناء، تحطيم بنية المجتمع العراقي، وروحه وطموحاته، وانه استخدم كافة الوسائل المتاحة لتفريق وحدة الصف الوطني، وتصنيف المجتمع الى فئات وطوائف، متخذا مواقف ثابتة اتجاه افراد وتجمعات معينة، في الوقت الذي كان يغير مواقفه السياسية بشكل يبعث على الدهشة.
ومن تلك الوسائل استخدامه لحزب البعث كاداة قمعية تتظاهر بالمبدئية وتتصرف في الواقع لتكريس عبادة شخصية (القائد الضرورة)، ومن كان يريد الارتقاء في المناصب الوظيفية، وبالتالي الحصول على رواتب عالية، فعليه الارتقاء في المناصب الحزبية، التي لم تكن الكفاءة شرطا اساسيا لها، ان لم نقل ان الكفاءة غير مطلوبة اصلا، فقد شهدنا قاطع تذاكر يصبح (امين سر فرع) ومستخدما في الاتصالات يصبح (عضو قيادة).
ومن الوسائل الاخرى المعروفة اجهزة الامن والمخابرات والاستخبارات والامن الخاص ومنظمة (فدائيو صدام) ومنظمات اخرى علنية وسرية. غير ان اخطر تلك الاستخدامات، كان لجهاز الشرطة الوطنية. اذ عمد الى افقار افراد الشرطة ماديا، ودفعهم اما الى العمل بعد الدوام، وهو ما لم يكن متاحا لاغلبهم، او للسعي الى الحصول على ارزاقهم من الناس العاديين مستخدمين سلطتهم. وادت هذه السياسة الى تفشي الرشوة، تنخر هذا الجسم الحيوي، وتبعده عن ممارسة دوره في مكافحة الجريمة، حتى ان بعض الجرائم التي تكشفت قام بها منتسبو هذا الجهاز، اي كما يقول المثل الشعبي (حاميها...).
واليوم، بعد حصول التحول الديمقراطي، لا نستطيع بجرة قلم ان نشطب كيانات كاملة، على اساس انتماءاتها السابقة، وليس على اساس افعالها السابقة. وذلك ليس دفاعا عن البعثيين او عن افراد الشرطة، كما ان الجمع بينهما (في هذا الحديث) لا يعني انهما حالة واحدة، ولكن لان الاضواء مسلطة الان على هاتين الفئتين، اللتين تشكلان اجزاءا من مفاصل المجتمع التي لا نود ان نراها تتفكك لمجرد شبهات، او نزوات، او تصرفات فردية، او نتيجة روح اجرامية تخريبية، تعمل على استغلال الظرف من اجل اشباع ساديتها.
نعم.. يجب ان يُقدم كبار البعثيين الى المحاكمة، ولكن لا يجوز باي حال الاعتداء عليهم وتخريب مساكنهم وتشريد عوائلهم، اذ ان كل ذلك انما يعني ضياع الحقوق للمتظلم، الذي سيتحول الى جلاد يتولى تطبيق القانون بنفسه، وهذا امر مرفوض تماما. وهي فوضى عارمة، وفتنة ضارية، لا يأمن فيها احد.. بل اسميها ارهابا، لان كل عمل فردي او جماعي يتم خارج القانون وبدون تقديم الادلة الثبوتية، وبدون منح حق الدفاع عن النفس، انما هو ارهاب.
من ناحية اخرى، يجب وضع الثقة بجهاز الشرطة، الذي يريد جادا ان يتخلص من اثار التركة الصدامية، وعلينا ان نتذكر ان معظم دوائر ومؤسسات الدولة تعرضت الى ظروف مماثلة لتلك التي عانت منها اجهزة الشرطة، وانهم -اي الشرطة- ان اصبحوا في واجهة المدفع، فذلك لانهم الوحيدون الذين يواجهون الاختبار في الوقت الحاضر.
وعلينا ان لاننسى ان جهاز الشرطة قدم شهداءً في هذا الظرف من اجل حماية امن المواطنين وان عناصر جديدة تنضم يوميا الى صفوفه، وما ذلك الا ادراكا وطنيا للدور الريادي لهذا الجهاز، الذي لايستطيع ان يكون فاعلا بدون دعم حقيقي من الشعب. وندعو مواطنينا الاعزاء الى احترام دور الشرطي ومنحه الفرصة الكاملة لاثبات وطنيته التي لانشك لحظة فيها.

Sunday, May 18, 2003

الخروج من زنزانة صدام.. الى اين؟

لا احد اليوم يبكي على نظام الطاغية المخلوع، باستثناء ثلة من المنتفعين الذين فقدوا مصدر عيشهم بزوال النظام، نعم لا احد يتمنى عودة النظام البعثي الفاسد الى سدة الحكم، رغم حالة عدم الاستقرار الامني، لان الجميع يدرك ان هذه الحالة انما اوجدها صدام باختفائه اللامسؤول، هو وزمرته البغيضة، وانه تصرف كما لو كان (يحتل) العراق، وليس (يحكمه).
ورغم ان البعض يعتقد ان قوات التحالف هي قوات (تحرير)، الا ان اعدادا متزايدة من المواطنين بدأت ترى تواجد هذه القوات على ارض الوطن العزيز هو بالفعل (احتلال)، غير انه احتلال فريد من نوعه.. اذ يكاد يكون الصمت حياله حالة عامة، رغم بعض المظاهرت التي خرجت منددة به باديء الامر، ونحن نرى انها انما ارادت ايصال صوت منظميها واظهار نفسها على الساحة، اكثر من كونها بدافع وطني محض.
غير ان هذا الصمت لا يجب ان يفسر على انه رضا، اذ ان عدم التحرك فعليا لازالة الاحتلال الامريكي قد يكون ناشئا اساسا عن الاعتقاد بضرورة آنية لتواجد هذه القوات.. سيما وان الجيش العراقي منهار تماما، ويحتاج اعادة بنائه وتقويمه الى فترة غير قصيرة، فمن الذي سيتولى حماية العراق من الاطماع الاجنبية؟ علاوة على الشعور السائد بان العراق استبدل احتلال الطاغية المستبد بالاحتلال الامريكي الاخف وطأة -حتى الان- بل ان اننا نلمس ضرورة في حماية الامن الداخلي ايضا.
ان السياسة الامريكية كما تبدت لنا تسير على وفق منهج محدد، وانهم لا يتركون الاشياء تحدث بالصدفة. لذلك تطرح تساؤلات كثيرة عن سبب عدم تشكيل حكومة وطنية -ولو مؤقتة- لحد الان، وعدم السعي الجدي لحل المشاكل المتعلقة بالخدمات الاساسية، وبعضها يصل الى درجة خطيرة من التردي، فما هي الخطة الامريكية؟
نعرف ان القوات الامريكية تسعى لاقامة قواعد عسكرية على ارض العراق، ولايتوقع اعاقة بناء هذه القواعد طالما لا توجد حكومة تحاول الحد من هذا التصرف الاحادي، وطالما كان الشعب منهمكا في حماية امنه بنفسه، وفي تحصيل لقمة العيش بصعوبة بالغة، وفي السعي خلف قنينة غاز او صفيحة بنزين، وهنا نلمس تجدد الاساليب البعثية القديمة.
لذلك فاننا ندعو الى تشكيل حكومة وطنية باسرع وقت، وان تتوقف القوات الامريكية عن التصرف بارض العراق بالطريقة التي تحلو لها، وان اية مشاريع لاقامة القواعد يجب ان تحظى بموافقة العراقيين انفسهم، وان لا يتولى احد اتخاذ القرارات عنه.. وذلك ليس جحدا تجاه الامريكان، وانما تثبيتا للكرامة الوطنية، فليس ما يطمح اليه الشعب العراقي، الخروج من زنزانة صدام الى سجن امريكا، مهما كان فارها.. فالحرية لها معنى واحد، ولا يجوز ان يمن احد على العراقيين، لانه انتقاض لن يقبلوا به.

Sunday, May 11, 2003

الديمقراطية.. الامل والعمل

ها قد تحققت للشعب العراقي حريته، بعد ان اخذ اليأس من التحرر مأخذه في قلوب البعض، وبعد ان عانى الكثيرون من ابناء الشعب من ويلات النظام البعثي المتسلط، ومن جوره وظلمه اللامحدود، والذي لم يشهد له العصر الحديث مثيلا.
نعم لقد تحققت الحرية في غفلة من الزمن، لم يكن يتوقعها اغلب المتتبعين قبل اشهر قليلة فقط، فكانت مفاجأة، سارة بكل تأكيد، حملت معها اشكال الفرح الشعبي، ولكنها مع الاسف حملت بعض اشكال الفوضى ايضا، وكأن هذه الفوضى هي رد الفعل الغريزي على سنوات الكبت والحرمان التي مرت على الشعب العراقي.
والسؤال الذي يلح الان: الى متى تستمر هذه الفوضى، وهل خرجت الان عن دائرة رد الفعل الى الفعل المنظم؟ الحقيقة ان الجواب على هذه التساؤلات غير يسير. فمن جهة ان اعمال السلب والنهب التي حدثت (والتي لا زالت تحدث) لم يقم بها الا اناس ضعاف النفوس، او انهم من اتباع النظام السابق لتأكيد الحاجة اليهم، او اناس نفسوا عن كبتهم بطريقة يشعرون فيها بالحرية المفقودة.
ومن جهة اخرى، قد لا تخلو هذه الاحداث من تدخل خارجي، ربما لاسباب تاريخية، او ثأرية.. الخ، وهي جهات لها طريقتها في اثارة البلبلة والفوضى، لاحراج قوات التحالف، وادخال العراق في دوامة من انعدام الامن والاستقرار، وتقليل فرصه في التقدم والازدهار، وبالاخص احلال الديمقراطية بين ربوعه، حيث ان هذه المفردة تثير قلقهم، وتجعلهم يتساءلون هل جاء الدور الينا؟
غير ان امل العراقيين في الديمقراطية لن ينثني بافعال الغوغاء، فهم يعرفون حق المعرفة ما يمكن ان يحدث اذا ما عاد الطغيان، ولن يسمحوا ابدا بحدوث شيء من هذا القبيل، بل انهم ماضون قدما في بناء الاساس القوي لهذه الديمقراطية، في روية ودون استباق للامور، حتى يأتي بناؤها متينا حصينا لا تنال منه مؤامرات الحاقدين والحاسدين.
وهكذا فان الديمقراطية لن تكون مفاجأة تحدث على حين غرة، بل هي هدف نبيل يجب ان نسعى لتحقيقه دون كلل او ملل، ودون ان تفت في عضدنا احباطات تحصل لضرورات مرحلية، بل علينا مغالبة الصعاب من اجل الوصول الى تحقيق الامل المنشود.. ولن يكون ذلك الا بالعمل الجاد المخلص الذي يتحلى بروح الوطنية وليس المنفعة الذاتية، فالديمقراطية امل مشروع للشعب العراقي، وهي مسيرة عمل ليس هينا باي حال، تبدأ من انهاء حالة الفوضى، وتستمر صعودا الى بناء المؤسسات، وصولا الى تحقيق الحرية في كافة مناحي الحياة، واحلال الامن والنظام وسيادة القانون.